لمخطوطات السجن مكانة ووزن لا يمكن الاستخفاف بهما أبدًا، ولا تصعب ملاحظة الفرق بين تلك التي خُطت في داخل السجن والأخرى التي انتظر كاتبها الكثير من الوقت ليقوم بكتابتها بعد خروجه من السجن.

وبالنسبة لي فأوراق السجن هي وجبتي الأدبية المفضلة، فرغم تفاوت الثقافات واللغات، إلا أن موقف السجين والسجان صورة متكررة في ملحمة إنسانية ترجح فيها الكِفة دائمًا وأبدًا إلى الإنسان الذي جُبل على الحرية، فقد ولد ليجدها حقا قد كفله الوجود له، وكل ما يحيط به يخبره بأنه حر، ولا يحق لأحد سلبه هذه الحرية.

لقد تفاوتت القصص التي قرأتها، فالبعض منها بشع لدرجة يستغرب المحيطون بي قدرتي على إتمام قراءتها، والآخر يسير على نحو مسالم جدًا لا يفتقد السجين فيه، إلا حريته وحضن والدته أو قبلة صغيرته، التي كانت تطبعها على خده قبل النوم، بعكس أخرى تتمزق كرامتي خلال قراءتها، أموت ألف مرة ويبدو العالم في نظري كما لم يكن من قبل، وواحدة فقط هي تلك التي سمحت لي أن أشهد ولادة فيلسوف بين أقبية السجن، وقائد يمتلك قدرًا كبيرًا من الإرادة والعزيمة، إرادة سطرها التاريخ بعد خروجه من السجن.

ورغم تنوع ما اطلعت عليه من الكتب والروايات أو المقالات التي يكون فيها السجين شاهدًا على نفسه وراويًا لعذاباته وعذابات الآخرين، لم أطلع على ما يشبه هذه اليوميات!

 

لمحة عن المخطوطة :

إن أول ما يميز يوميات غوانتاناموا (Guantánamo Diary) هو أنها أوراق السجن الوحيدة التي أشهد خروجها للنور قبل خروج كاتبها، ولمعجزة خروجها ونشرها قصة قصيرة بتفاصيل عظيمة، لا تخفى على كل المتابعين لأوضاع محمدو ولد صلاحي، المواطن الموريتاني الذي التقمه بطن غوانتاناموا منذ أربعة عشر عامًا، ويأبى أن يلفظه حتى يومنا هذا، رغم عدم وجود أية تهم موجهة إليه، محمدو هو كاتب هذه اليوميات التي صدرت عن دار Little, Brown and company في شهر يناير من العام الحالي، والتي قام بتحريرها الكاتب، والمحرر الأمريكي الوفي للإنسانية والكلمة الحرة لاري سيمنز.

كجزء طبيعي من عمل المحرر الذي يحتاج لأخذ موافقة الكاتب على التعديلات والصيغة النهائية، كان على لاري أن يلتقي بمحمدو، ورغم استحالة حدوث ذلك، خرجت اليوميات بشكل غير متوقع، بل بعكس المتوقع والسائد، فلم تكن مجرد شهادات لسجين تحت التعذيب، أو قصص غير مروية من داخل غوانتاناموا، لقد بدت شخصية جدًا، وإنسانية لأقصى درجة، فمهارة (الحكواتي) التي يملكها محمدو كانت كفيلة بجعل المخطوطة مادة مميزة جدًا، رغم حذف بعض السطور والكلمات من كل صفحة بسبب الرقابة.

محمدو أيضًا يجيد السخرية من آلامه، ويتعاطف مع سجانيه، يبحث لهم عن مخارج إنسانية وتبريرات للعنف الذي لا يمكن أن يبرر بأي شكل من الأشكال، يبكي إذا ما قال له أحدهم كلمة لطيفة، و في موقف آخر يضحك ضحكة مجلجلة يحاول إخفاءها عن الحراس بعد قراءته لصفحة من كتاب، ورغم عدم تمكنه من اللغة الإنجليزية تمامًا إلا أنه استطاع الوصول إلى وعي قرائه، وترك الأثر المطلوب، حتى بالأمثال الشعبية الموريتانية التي ترجمها إلى الإنجليزية، لقد تحدث عن حياته في تلك الزنزانة الضيقة فيما يتجاوز 350 صفحة بحس فكاهة أقل ما يقال عن صاحبه هو أنه شخصية نادرة.

 

نجاح الكاتب المُعتقل:

هذا هو الكتاب الأول الذي يقوم بتأليفه المهندس محمدو، ومن المثير للدهشة أن المحامين لم ينجحوا في إيصال الكتاب بنسخته التي بين يدينا إلى يدي كاتبه بعد! فالمقدمة والخاتمة التي لم يقم محمدو بكتابتها قد تشكلان خطرًا على الأمن إن وقعت بين يديه ـ أو هكذا قيل لمحامييه ـ ربما إن عاد محمدو سالمًا، لن يقوم بكتابة كتاب آخر؛ فالهدف الأول والأخير من هذه اليوميات هو إيصال صوت محمدو للعالم؛ كمحاولة لرفع الظلم عنه، من خلال نشر قصته المؤثرة، فكما قال ذووه: أن لو كان لهم من الأمر شيء لقاموا بتوزيع يوميات ابنهم بالمجان على كل إنسان وأي إنسان.

حسب مشاهداتي للقراء المتلهفين الذين حضروا للقراءة الجماعية الخاصة بهذا الكتاب، فمحمدو وُفق فعلا في جمع مختلف الأشخاص حوله للتضامن معه، لقد حضر العديد من الأشخاص منهم الأبيض والأسود، الحقوقي المحامي والأديب النخبوي، الشاب المثقف والآخر الذي يتم كتابًا لأول مرة، والعجيب أن المجلس قد ضم في من ضم ممثلة سينمائية معروفة، ربما كان ذلك إشارة إلى أن الرابط الوحيد بين كل هؤلاء هو قراءتهم لهذه اليوميات، وتأثرهم بها، ورغبتهم الحقيقة في الوقوف إلى جانب محمدو في مطلبه العادل جدًا: الحرية!

الخطاب الذي غلب على هذه المذكرات هو خطاب إنساني صرف، ويتضح أثر ذلك من خلال ردة فعل المجتمع الأمريكي بعد صدورها، فقد تقدمت لائحة الكتب الأكثر مبيعًا، وهي اليوم من الكتب المرشحة لخيار القراء الأفضل لهذا العام على موقع goodreads .

وبحسب الأخبار المحلية تقدم بعض المخرجين بطلب لتحويل هذه اليوميات إلى فيلم سينمائي، ومن الجدير بالذكر، أن اليوميات قد تمت ترجمتها لعدة لغات، وصدرت الترجمة العربية عن دار الساقي في يونيو من العام الحالي.

 

 أمل لن نودعه:

أعتقد أن كل من تقع عينيه على هذه اليوميات يجب أن يقوم باقتنائها، حتى وإن لم يرغب في قراءتها! يمكنه تقديمها كهدية لشخص آخر، شخص ستشتعل في داخله رغبة التغيير، ويتملكه الإحساس بالذنب، فمحمدو لم يتكبد كل هذا العناء حتى نواصل العيش كما كنا، لم ينزف دمًا ويذرف دمعًا ويقاسي ألمًا وحده الله يعلمه , لنلقي أنا وأنت نظرة لا مبالية لكلماته، ثم ننصرف، فإذا أردت قراءة ما بين دفتي هذه اليوميات فخذ على نفسك عهدًا أنك ستكون إنسانًا أفضل في الغد، عامل الآخرين باحترام، اعف عن المخطئ، أحسن الظن بالناس، ولا تنم وأنت تحمل الضغينة على أي شخص، حتى إن كان سجانك!

تقول نانسي هولاندر محامية محمدو ولد صلاحي: إن صدور الكتاب، وما نتج عنه من تعاطف، وتضامن مع قصة محمدو أعطاها أملًا كبيرًا بأن لن يغادرنا العام الحالي، إلا وقد عاد إلى أهله سالمًا. و كلنا أمل أن يتحقق هذا الأمر، ففي السابع من الشهر الحالي ( نوفمبر) أكمل محمدو 5100 يوم بعيدًا عن أهله ووطنه وأمه. أمه التي اختلطت المشاعر في صدره بعد أن قرأ أول رسالة تصله منها في المعتقل، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة خالطتها الدموع المنهمرة بغزارة من عينيه، أمه التي تركها قبل أربعة عشر عامًا في يوم اعتيادي جدًا، أو هكذا بدا، قائلًا لها: سأعود حالًا لا تقلقي، لن أتأخر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد