الخلافات الأوروبية الأميركية بخصوص معتقلي داعش تفتح الباب أمام احتمالات غير متوقعة في سوريا
استأجرت الولايات المتحدة منطقة خليج «جوانتانامو» في كوبا، عام 1903 لبناء قاعدة عسكرية، وتحولت لمعسكر توقيف للمهاجرين غير النظاميين قبل أن تقيم عليه بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، أشهر المعتقلات عالميًا.
إنه معتقل جوانتانامو؛ الذي استقبل معظم سجنائه بدون تهم، للتهرب من قانون معاملة السجناء، وفي مطلع عام 2002 وصل أول سجين إلى المعتقل، حيث قال في حينها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أن معتقلي تنظيم القاعدة ومقاتلين «أعداء آخرين» لا يخضعون لاتفاقية جنيف المتعلقة بأسرى الحرب، فما هي احتمالات تأسيس معتقل جوانتانامو جديد في سوريا لاستيعاب عناصر تنظيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» الإرهابي، وما علاقة ذلك باتفاقية جنيف.
تعتقل قوات سوريا الديمقراطية، نحو 12 ألف عنصر من «داعش»، بينهم 3 آلاف أجنبي من 54 دولة، أما المعتقلون الآخرون فينقسمون بين نحو 4 آلاف سوري، و4 آلاف عراقي.
وما تزال الانقسامات تقض مضجع أي تفاهم أوروبي أمريكي حول محاكمة عناصر «داعش» وإخراجهم من سوريا، فوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو طالب يوم الخميس الماضي 14 نوفمبر (تشرين الثاني) بوجوب إعادة المقاتلين الأجانب من قبل أعضاء التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، ومحاكمتهم على الفظائع التي ارتكبوها؛ ما يعني وبشكل مباشر أن تتحمل الدول الأوروبية مسؤولياتها تجاه هذا الملف.
أيضًا فإن تحذيرات ناثان سيلز منسّق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، هي الأخرى كانت غريبة في توقيتها وبدت وكأن واشنطن تستغل ملف المعتقلين الـ«دواعش» كورقة سياسية رابحة، لتُخيّر الأوروبيين بين استعادة الـ«دواعش» الحاملين لجنسيتها أو التوافق لاحقًا على تشييد غوانتانامو جديد في شمال شرقي سوريا، حيث قال سيلز: إن «الوضع يمكن أن يتغيّر في لمح البصر.. نعتقد أنّه يجب أن يكون هناك شعور بضرورة إعادة عناصر «داعش» إلى أوطانهم الآن، طالما أنه لا يزال هناك وقت».
في المقابل يمكن الاعتبار أن باريس ما تزال تمثل رأس الحربة لدى الأوروبيين والتي تصر على رفض استعادة عناصر «داعش»، وتتشبث مؤخرًا برفض استقبال ما يقارب المائة «داعشي» من حاملي جنسيتها بحجة الإبقاء على أولئك العناصر معتقلين بشكل آمن ومتواصل في سوريا، حيث تريد فرنسا أن تُحاكَم العناصر الأجنبية على مقربةٍ من المكان الذي ارتكبوا فيه جرائمهم، وتُحاول التفاوض مع بغداد من أجل أن يتكفل القضاء العراقي بهذا الشأن، في الوقت إلى رفضت العراق ذلك مؤخرًا، ما قد يُغلق الباب نهائيًا أمام هذه الرغبة الأوروبية.
ويبدو تراجع ترامب مرة أخرى عن الانسحاب الكامل لقوات بلاده في شمال شرقي سوريا، بمثابة إعلان نوايا.
عن مساعي أمريكية لفرض نفوذها هناك، ولكن بشكل جديد، لا يقتصر فقط على حماية حقول النفط، فبحسب تقارير أمريكية فإن خطة ترامب للحفاظ على الوجود العسكري في حقول النفط السورية لا تتفق مع أهداف الإستراتيجية الأمريكية المعلنة في سوريا، بل إنها تشبه بدلًا عن ذلك ما اتهمه النقاد منذ فترة طويلة، وهو أن واشنطن تقوم بالغزو والاحتلال من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية، ولكن برأيي هذه أيضًا نظرة قاصرة، فمن أجل ماذا تحتاج واشنطن للسيطرة على عوائد حقول النفط؟

هل بهذه الآلية فقط تستطيع واشنطن ضمان عدم عودة «داعش»، وترامب هو الذي كان قد أعلن بنفسه أن التنظيم الإرهابي تعرض لهزيمة كاملة، وأشاد بفوزه على عناصر التنظيم إلى جانب استقلال الولايات المتحدة كدافع للانفصال عن النزاعات المكلفة ذات النهايات المفتوحة في الشرق الأوسط، إلا أنه ورغم ذلك لا يزال يستميت في بقاء القوات هناك، رغم وعوده الانتخابية بعودة قوات جيشه إلى البلاد، فهو بذلك لا يقفز فقط على كل تلك الوعود فحسب؛ وإنما على صدقية دعايته القائلة بحماية حليفهم الكردي «قوات سوريا الديمقراطية» في محاربة تنظيم «داعش» في سوريا، فهذا الأمر لم يكلف سوى اتصال هاتفي واحد فقط جمعه ونظيره التركي حتى أعطى الضوء الأخضر لأنقرة ببدء عمليتها «نبع السلام» في شمال شرقي سوريا 9 أكتوبر (تشرين الأول).

فهل كان مسعى ترامب في العودة عن قرار الانسحاب والتعبير عن حبه للنفط، لأن حقول النفط من الوارد جدًا أن تكون رافدًا مهمًا سيخفف من تكلفة إنشاء جوانتانامو جديد في سوريا، وبعيدًا عن الإشارة إلى قانونية الوجود الأمريكي في حقول النفط، حيث يعارض الوجود العسكري الأمريكي في سوريا أية قواعد وضد أي قانون دولي، لكن ما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام هو ارتباط إعادة الانتشار الأمريكي في حقول النفط؛ بإمكانية وقانونية إنشاء «جوانتانامو» جديد.

حينما أنشأت واشنطن معتقل «جوانتانامو» السيئ الصيت على الأرض الكوبية المُستأجرة، لم تلتفت الولايات المتحدة لقانونية إنشائه، وهو الذي أقيم على قاعدة عسكرية تابعة لها، حتى أن الرئيس الأمريكي الأسبق لم يبحث في شرعية احتجاز المعتقلين دون تهمة لديهم، مشيرًا آنذاك إلى أنهم لا يخضعون لاتفاقية جنيف المتعلقة بأسرى الحرب.
المادة 12 من اتفاقية جنيف الثالثة تنص على أن أسرى الحرب من مسؤولية الدولة وليس الأشخاص الذين قبضوا عليهم، وتشي هذه المادة بإمكانية دخول دمشق على مسار هذا الملف، ولو أنها أبعد ما تكون عنه حاليًا إلا إذا ما أرادت روسيا عكس ذلك، وهو ما سيزعج الولايات المتحدة بالتأكيد، لذا فإن حال الصراع في المنطقة الشرقية من سوريا لا يمكن أن يبقى ضبابيًا، فمطالب موسكو بمغادرة القوات الأمريكية من حقول النفط قد تخف وتيرتها خلال الفترة المقبلة، ويتأثر ذلك بشكل مباشر بالزيارة الأخيرة للرئيس التركي إلى واشنطن، والتي ستحمل تبعات لافتة قد تمهد لتهدئة بين القوتين الأميركية والروسية قد تكون من بوابة تغاضي واشنطن عن صفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400» الموقعة مع تركيا، بالإضافة إلى أن الوسيط التركي الذي من المفترض أن يكون له دور محوري بين حليفيه الروسي، والأمريكي، قد يدفع إلى إلغاء حزم من العقوبات التي فرضتها واشنطن ضد موسكو، وكذلك تخفيف بعضها، ما قد يمهد الأجواء أمام مقترح قد يرى النور خلال الفترة المقبلة، ويتمثل في إنشاء معتقل يضم آلاف الـ«دواعش» كمرحلة أولية، وممكن أن يضم لاحقًا عناصر تنظيمات إرهابية أخرى في المنطقة (تنظيم حراس الدين كمثال).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد