لم يكتف المجتمع العربي بتحميل المرأة مسؤولية شرف العائلة فقط، إنما أصبحت الآن تحمل قيم المجتمع وأخلاقه على خاصرتها، هكذا ببساطة. مجتمعات هشة في بنائها فلا قيم إنسانية، ولا أخلاقيات يعرفونها أولئك الذين يضيقون على النساء حياتهم، وينتزعون منهن أبسط حقوقهن في المرح وعيش الحياة بسلام.

بسلام، دون أدنى تمرد على المجتمع، هن فقط أردن تعلم الرقص الشرقي في مكان نسائي بحت، فلا وجود لرجل هناك لكن أولئك مدعي التدين ومن يسمون أنفسهم محافظين، أولئك المحافظون على الظلم وسلب أفراد المجتمع حقوقهم، المحافظون على الطغيان على الموسيقى والرقص والفنون الجميلة، وكل ما ينقذ الإنسان من الألم والمعاناة، وما يبعث الحياة في شعوبهم البائسة.

لقد كان الرقص عنصرًا مهمًّا في التجربة الإنسانية على مر العصور، وفنًّا ثقافيًّا يعبر عن هوية المجتمع بطريقة راقية، كما ساهم في تشكيل المظاهر الاجتماعية للحضارات، وبالرغم من تحريمه في بعض المجتمعات، فإنه يكون في بعض الأحيان دلالة دينية كالرقص الصوفي، فالمذهب قائم على التقرب إلى الله بالرقص، حيث يصل الراقص إلى أقصى مراحل التسليم والتحرر الروحي من المعاناة الدنيوية والأمان الذي يستمده من روحانية الرقص، إذ قال جلال الدين الرومي عن رقصة المولوية «لا يفنى في الله من لا يعرف قوة الرقص».

عانى فن الرقص بشكل عام والرقص الشرقي بشكل خاص من اضطهاد عربي كبير، وتشويه عبر التاريخ، فما ذكر عنه أو صور عبر المسلسلات التاريخية العربية كانت أم التركية، إلا أنه حالة إغواء تمارسها الجواري لإشباع شهوة السلطان وحاشيته. تحول الرقص من حالة سامية إلى جنسية بحته، فكانت امرأة راقصة وهي ما يعبر عنها «بانغماس السلطان بالملذات» سببًا في ضياع تلك الدولة التاريخية العريقة القائمة في الحقيقة على الظلم والعدوان، القتل واستلاب الحقوق من عامة الناس.

لماذا يخاف أصحاب الدين أو من يظنون أنهم كذلك من امرأة راقصة؟

الرقص حالة من العمق تصل بالمرأة إلى مرحلة عالية من الثقة بالنفس، وقوة في التفكير والإدراك، فامرأة تملك القدرة على التمايل بجسدها بلياقة وانسيابية هي امرأة حرة، فتجدها تعبر عن نفسها بطلاقة ولا تخشى أو تخجل من التصريح برأيها مهما بدا للمجتمع غريبًا أو غير عقلاني
إنها امرأة مهما كان مستواها التعليمي أو الفكري» يصعب السيطرة عليها وأدلجتها، فهي تجد في الرقص ملاذًا في حزنها وشفاء من جروحها ومرحًا واستقرارًا في كل أيام حياتها.
يذكر باولو كويلو: أن من يستطيع الرقص يستمتع بترف أن يكون ذاته. فالإنسان القادر على الرقص رجلًا كان أو امرأة يعيش مرحلة أن يكون إنسانًا متحررًا من كل أدلجة دينية أو اجتماعية هو يكون ذاته بكل بساطة وعمق.

تأثير الرقص في الصحة:

للرقص تأثير عظيم في الصحة النفسية و الجسدية، فقد تم نشر العديد من الدراسات في الأعوام الماضية – الفن في العلاج النفسي – مفادها أن للرقص الأثر العظيم في احترام الذات ورفع ثقة المرء بنفسه، وزيادة مستوى وعيه في تقبل ذاته وجسده وغمره بالرضا التام، إذ أنه يتيح للإنسان التواصل العميق مع نفسه كما يفعل التأمل فهو يساعد على الاسترخاء وتطوير الصورة الإيجابية للجسم واحترام الذات .
فالرقص يوحد القلب والعقل والروح والجسد، حيث تشعر بالكمال والرفاهية أثناء الرقص، فهو يحرر عقلك من المشاكل والهموم بتركيزك على حركاتك، إذ أنه في كل حركة يتفاعل دماغك ويطلق الدوبامين والسيروتونين فيقل شعورك بالإجهاد ويزداد شعورك بالسعادة، فالعديد من الدراسات تدعم فرضية أن الرقص يخفف من أعراض الاكتئاب والقلق وبعض الآلام الجسدية.
لقد أجرى بيتر لوفات في جامعة هيرتفوردشاير دراسة أكدت أن الرقص يساعد على إيجاد طرق تفكير جديدة، ودراسة أخرى تشير إلى أن الرقص يدعم الذاكرة حيث يتطلب منك أن تتذكر خطوات متوالية ومختلفة وفي هذه الحالة تزداد قوة دماغك؛ مما يساعد على تحسين الذاكرة، فالرقص يجمع بين عدة وظائف دماغية في آن واحد – الحركية، العقلانية، العاطفية واستخدامها معًا يزيد من نشاطك العصبي إذ يساعد على الحد من خطر الإصابة بالزهايمر، كما أنه يزيد من حدة الإدراك في مختلف الأعمار.

ووفق البروفيسور بيتر فإنه يمكن قياس السعادة التي نعيشها خلال وبعد الرقص فيزداد مستوى السعادة بعد أسبوع من آخر رقصة .كما تفيد جمعية القلب الأمريكية أن رقص الفالز يعزز صحة القلب ويحسن التنفس لدى المصابين بفشل القلب المعتدل.

فالرقص تمرين للقلب والأوعية الدموية، ومع الاستمرار بالرقص يصبح معدل نبضات القلب ثابتًا لفترة أطول ولن تشعر بالتوقف عن التنفس مما يحسن حالة قلبك و رئتيك.

الرقص والترابط الاجتماعي:

في المجتمع العربي والمجتمعات التي تحرم الرقص وتعتبره خادشًا للحياء. يعد الرقص عاملًا أساسيًّا في اختيار الأم زوجة ابنها ومن تجيد الرقص الشرقي تحديدًا تنال الفرصة الأكبر. كما أن مشاركة الزوج لزوجته الرقص يذهب المروءة ويقلل من شأنه وإن كان ذلك في منزله فلا حق للمرأة بمطالبته بالرقص في حين أنها مجبرة على الرقص أمامه لتشبع شهوته.

أما في المجتمعات الأكثر انفتاحا تقام الدراسات والبحوث لمعرفة أثر الرقص في الترابط الاجتماعي، فبحسب دراسة أجرتها جامعة أكسفور: أن الرقص مع راقصين آخرين يضيء مسارات الدماغ، الأمر الذي يحطم الجدران المرئية التي يبنيها دماغك بينك وبين شخص غريب إن إقامة مثل هذه الصلات تساعد على الشعور بالاتحاد مع الآخر. مما يؤدي إلى زيادة النشاط الاجتماعي وتكوين الصداقات، والذي بدوره يساهم في تحسن مزاج المرء ورفاهيته العقلية عمومًا.

«الرقص.. لغة الروح الخفيه» – مارثا غراهام

لطالما كان الرقص لغة تواصل عميقة غير معقدة ساهمت كثيرًا في تعبير الإنسان عن ذاته وأفكاره، ومعنى الحياة كما ساعدت في الوصول إلى أقصى درجات الروحانية، ومنحت العقل مساحة هدوء وراحة، وللقلب الاستقرار وللروح السلام. فارقصي عزيزتي المرأة فنحن بالرقص نصل إلى الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد