الرجل ذو الستين عامًا الذي يسكن قبالتنا ملتزم بقوانين المجتمع أكثر من التزامه بقوانينه الخاصة، يذهب لأداء الصلاة في مواعيدها، السلام المتبادل بيننا بارد كهواء الفجر، ذات نهار كئيب باغتته بسؤال عن صورة الرجل في القبعة التي يرتديها رغم معرفتي بهويته، فأجاب بسرعة: جيفارا، وهرول مسرعًا.

في اليوم التالي كنت أنتظر مروره لأدير نقاشًا رتبت له بعد احتسائي ثلاثة فناجين قهوة، أخبرني أن لا أحد من المصلين في المسجد سبق له أن سأله عن دلالة صورة جيفارا ولا غيري من سكان الحي الفضوليين فالصورة لم تدغدغ مشاعر أحدهم، بعد انتهاء المحادثة تملكني شعور بالفراغ لا أعرف مصدره.

تحيل هذه القصة لموضوع المقال عن دلالة رموز القرن العشرين وأي تحولات صاحبت مصيرهم في قرننا الحادي والعشرين.

لنضع أنفسنا في مكان المصلين وكيف ينظرون لهذا الرجل، لربما أحدهم سأل عن ماضيه وهل كان ماركسيًا في السابق وهو يسير حاملًا صورة جيفارا فوق رأسه ولكن لماذا يهم الآن الماضي طالما هو لا يحدثنا عن ثورة محتملة. نعم يتحدث الرجل كثيرًا ليبعد عن ذهنه قضية الشيخوخة ومع ذلك فهو يحدث الكل عن أمراض مصاب بها وأخرى يتوهمها، لكن لا يأتي على ذكر العمال أو الفلاحين والكفاح المستميت الذي عليهم أن يخوضوه قبل نيل حقوقهم. هذا الرجل حقيقة لا يعرف شيئًا عن قضاياهم أكثر مما يقرأ في الصحف اليومية، أخيرًا وجد أحدهم شيئًا عن ماضيه لنتابع اهتمامه بالصحف وما الأخبار التي تثير انتباهه مؤكد أن هنالك خبرًا سيجعله يصيح من الحماسة أو الغضب.

الحق يقال أن لا شيء من هذه التوقعات المثالية حدثت، إذن يحتمل أن الحلم بثورة مات داخله منذ زمن طويل وقرر أن يدفنه مع أشياء أخرى في ذاكرته، هو الآن رجل طاعن في السن لا يريد أن يشغل تفكيره بقضايا لن تساعده كثيرًا في علاج أمراضه، أظنه يفضل أن يحفظ أسماء الأدوية فهي صديقته الوحيدة بدلًا عن الخوض في شؤون الفلاحين والعمال الذين لا يعرف عنهم إلا صفتهم الوظيفية.

من يصدق أن ثقافة الاستهلاك والاصطناع حولت كل شيء لمجرد صورة، ظل، خيال من باقي حقيقة، بما فيها صورة جيفارا، لكن منذ القرن الماضي ارتبطت صورة الثاثر الأرجنتيني بمعظم السلع ولكم أن تسألوا من نضجوا في الستينيات وإلى الثمانينيات كيف كان جيفارا حاضرًا داخل غرفهم وبين أوراق الكتب وكان هو الرمز الذي ربما يختاره بعضهم متنقلًا بين بلد وآخر.

كان جيفارا حاضرًا في الأمسيات، الاحتفالات الوطنية، لحظات الانتصار والحماس، عندما كان الإيمان بأن الشوارع والمدن لا تضيء إلا بالدموع والدم والكفاح.. لا أصدق أن هذا الرجل يرتدي صورة جيفارا ذهابًا وإيابًا للمسجد لمجرد أن الصورة أعجبته كسلعة، أعرف هذا النوع من الرجال يتوقف طويلًا عند المتاجر إذا أراد شراء الزيتون، فلماذا اختار هذه القبعة دون سواها؟ أنا أصدق أن ملصلقات عديدة تحمل صور جيفارا تختبئ داخل غرفته.

يومًا ما قرر أحد سكان الحي الفضوليين معرفة ما تحتويه غرفته دون أن يكون الدافع الرئيسي صورة الثائر من أجل الحرية، لم يكن الوصف الذي قدمه بعد ذلك لبقية أهالي الحي به ما يثير الاهتمام، وإليكم التفاصيل: غرفة متوسطة الحجم يدخلها الضوء ومع ذلك لا أظن الرجل حريصًا على مراقبة ما يجري في الخارج بمقدار ما تهمه الأصوات التي تأتي عبر النافذة الوحيدة، تكاد الغرفة تخلو من الأثاث باستثناء كرسي وطاولة صغيرة مليئة بعلب الدواء، عند هذا الحد شعر كل المستمعين بالضجر وتوقف الوصف دون أن يأتي على ذكر جيفارا.

حسنًا، تحولات كثيرة حدثت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تغيرت الذاكرة لكن لم تحل دونها أخرى، تذكرت الرجل الستيني وأنا أبحث في شعارات الربيع العربي عن صورة لجيفارا، لم أجدها، خرجت لمواصلة البحث في ملصقات الجامعات ورسوم الجرافيتي فلم أجد لجيفارا أثرًا.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد