بمتوسط عدد ساعات قد يتراوح بين 7 و 8 ساعات حسب طول الشعر وكثافته، تجلس المرأة لنيل جلسة تعذيب، ولكنه نوع مختلف من التعذيب، حيث يمكن وصفه بالتعذيب اللاإرادي وبكامل القوى العقلية، لتشعر في كل لحظة من تلك الساعات كما لو أن كل شعرة من شعراتها تنقلع من الجذور.

حقًا إنها معاناة تستحق الصبر، ولمَ لا؟ طالما أنها ستجني ثمار تلك العملية الانتحارية بالحصول على شعر ناعم وأملس، مثل شعر الجميلات، ولمدة طويلة نسبيًا أيضًا، فكل ذات شعر أملس جميلة، أليس كذلك؟ تقول لا، إذن لنجعلها كل ذات شعر أملس وبشرة بيضاء جميلة، تقولين ليس بالضرورة، ويتبادر في ذهنك هذه وتلك من رفيقاتك؛ لتطبقي عليهن القاعدة في مخيلتك وتثبتي نفيها.

إذن ما هي مقاييس الجمال ودلالاته، هل نضيف العيون الملونة، القوام الرشيق، طول القامة، عرض المنكبين، وغيرها وغيرها، هل يمكننا القول إن تلك المقاييس قد اجتمعت في الدمية «باربي» مثلًا، ولكن من ذا الذي يضيف ويقرر ويضع مثل تلك المسماة «مقاييس الجمال»؟

حدثنا أستاذ في النظرية السياسية ذات مرة في إحدى المحاضرات عن سياسة فرنسا الاستعمارية الممنهجة لشعوب البشرة السمراء، والتي كانت تستخدم مناهج تعليمية مليئة بقصص البطولات عن الفرسان الفرنسيين ذوي البشرة البيضاء، واللصوص المجرمين العبيد ذوي البشرة السمراء، وأدوات تعليمية تستهدف الصغار، كأن يأتي المعلم لطفل أسمر البشرة بدميتين، إحداهما سمراء، والأخرى بيضاء، ويسأله: أي واحدة منهما جميلة؟  فيجيب الطفل: البيضاء، وأية واحدة هي القبيحة؟  فيجيب: السمراء، ثم يسأله أنت أقرب للبيضاء أم السمراء؟ فيجيب: السمراء، فيسأله إذن أنت قبيح أم جميل؟ فيرد الطفل بأنه قبيح تمامًا مثل الدمية.

التلاعب بالعقول والنفوس عن طريق تحقير الذات والشعور بالدونية وتنشأة الأطفال على هذا المعتقد، حيث يمكن للاستعمار حينئذٍ أن يصبح طبيعيًا ومرحبًا به، فلابد للفارس الجميل الأبيض مسترسل الشعر أن يحل محلًا، وينقذ مصير شعوب البشرة السمراء، والشعر الخشن المستعبدين.

ولأن المغلوب مولع بالغالب كما قال ابن خلدون، فلابد لك أن تكون صادفت واحدة أو أكثر من ذوات البشرة السمراء، وقد جعلت شعرها ناعمًا، إما بواحدة أو أكثر من طرق فرد الشعر التي تظهر كل يوم، أو بوضع الشعر المستعار، ويبدو أن تلك السياسة أيضًا قد وصلت إليكَ وإليكِ بنجاح، فتسرعي إلى صالونات التجميل، وتنفقي أموالًا طائلة؛ لكي يصبح شعرك ناعمًا؛ استجابة لرغبة زوجك، إذا أراد ذلك؛ أملًا منه أن تصبحي كهذه وتلك من الفنانات وفتيات الإعلانات، أو تصبحين أنت أيضًا مغرمة بما تشاهدينه يوميًا، وبشكل مكثف من منتجات تنعيم الشعر، وما تفعله بتلك الفتاة المسكينة التي كانت حياتها سيئة بشعرها الخشن المجعد، ثم تحولت بفضل المنتج الفلاني إلى نعيم، وقد عادت ثقتها بنفسها.

تلك الثقة المنقوصة أو المعدومة لديك أيضًا، وإيمانك بأن الجمال «إنما يكمن في الشعر الناعم – كعنصر من عناصر مقاييس الجمال المزعومة – حتى وإن شعرت بأن رأسك جراء استخدام الحرارة العالية لتفعيل مادة الفرد قد أصبحت «نص سوى».

الشعر المجعد، الخشن والجاف، أصبح همٌ لدى نسوة عدة؛ لأنه لا يتوافق مع مقياس الجمال المزعوم، لدرجة أصبحت معها حلاقة الشعر التامة إحدى الأفكار التي تداعب مخيلتهن على أمل أن الشعر الجديد في النمو يمكن أن يصبح أفضل، فلا داعي وقتئذٍ لمراقبة تلك الشعيرات، التي وكأنما قد قطعن عهدًا على أنفسهن بالوقوف وعدم الاستجابة لمحاولات التمشيط. لذا ومع صدور التقارير الطبية والأبحاث الحديثة التي تتحدث عن خطورة تلك المواد الخاصة بالفرد، فإن الدافع النفسي الذاتي بالأساس والمادي أيضًا الناتج عن الراحة من عناء التصفيف، سيظلان واقفين بالمرصاد على نحو كبير أمام تلك النصائح. فنحن أصبحنا نمارس العنصرية، وبامتياز تجاه أنفسنا.

أمازلت تريدها أن تكون ناعمة الشعر كشرط لإتمام «صفقة الزواج»، وتبعث بوالدتك إليها من أجل أن «تشيك على البضاعة»؟ لا تقلق ستحصل على ما تريد، فكل ما تتمناه في وقتنا هذا ستدركه، ولكن بعد انقضاء مدة الضمان، وهي على الأرجح 6 أشهر، ولا تلومنَ إلا نفسك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شعر
عرض التعليقات
تحميل المزيد