طبقًا لإحصاءات الـ FBI عن حوادث السرقة بالإكراه في الولايات المتحدة خلال عام ٢٠١٢، فإن ٤٠٪ منها تتم باستخدام الأسلحة النارية، وحوالي ٨٪ تتم باستخدام أسلحة بيضاء وأدواتٍ حادَّة, وأكثر من ٤٢٪ منها تحدث دون استخدام أسلحة على الإطلاق، بل باستخدام اللص يديه المجرَّدتين فقط، والنسبة الباقية تحدث باستخدام أدواتٍ مختلفة.

بعبارةٍ أخرى، فإن ما يقرب من ٦٠٪ من السرقات تحدث دون استخدام أسلحة نارية, وحوالي ٧٠٪ من هذه النسبة تحدث دون أسلحة في الأساس.

تظل هذه النسب غريبة، وعصيَّة على الفهم، كيف تحدث السرقة إذن؟ ما الذي يدفع الناس إلى أن يقبلوا أن يسرقهم شخص أعزل في الغالب؟

تتكاثر لديك الأسئلة حتى تُطالِع ما يقوله الخبراء الأمنيون ومدرِّبو رياضات الدفاع عن النفس حول كيفية التعامل مع السرقة بالإكراه، وحينها ستجد أغلب النصائح تدور في فَلَك التلميذ النجيب والمدرس.

ينصحونك حين يهاجمك لصٌّ: أن تكون هادئًا، ولا تنظر إليه في عينيه فإن ذلك يغضبه، استمع لأوامره بتركيز ونفِّذها بهدوءٍ، لا تحاول استفزازه، كن مُطيعًا، لا تكذب، لا تتظاهر بأنك لا تملك مالًا أو أن محفظتك ليست معك، أَعطِهِ ما يريد دون نقاش، لا تسأل أسئلة غير ضرورية، ولا حتى ضرورية، فقط نفِّذ وبدون نقاش.

أظن أن عنوان «كيف تكون ضحيةً مثاليةً لحادث سرقة بالإكراه» سيكون هو الأنسب لهذه النصائح، تلك التي لو صاغها اللص بنفسه ما كان ليكتبها أفضل من ذلك.

لو كنتُ لصًّا، لسعدتُ جدًّا بهذه النصائح التي تؤدِّي لتدجين الشخص، وتدريبه فقط على الخنوع والاستسلام المُخزي.

على جانبٍ آخر نجد منهجًا مختلفًا تمامًا للتعامل مع حوادث السرقة بالإكراه. روى مسلم في صحيحه: حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ — يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ — حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ — صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ — فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ».

أكاد أُجزم أن التعليمات الواردة في الحديث الشريف تثير الرعب في نفوس اللصوص مقارنةً بتعليمات الخبراء الأمنيِّين المعاصرين.

يكون اللص بطبيعته خائفًا وقت السرقة، ويتمنى أن ينتهى الأمر بسرعةٍ وبأقل خسائر مُمكنة، فمِن المشجِّع له جدًّا أن نُعَلِّم الناس أن يكونوا في غاية الاستسلام والطاعة له, وفي المقابل من المثير للرعب في نفسه أن يتعلم الناس أن يقولوا له: «لا نعطيك شيئًا، وإن قاتلتنا لم نخشَ موتًا وقاتلناك» حينها من الممكن جدًّا أن تنتهي حياته في محاولة بائسة للسرقة, كم مرَّة سيفكر قبل أن يُقدِم على خطوة كهذه؟

تخبرك التعليمات النبوية في الحديث أنه يجب ألَّا تكون ذليلًا بهذا الشكل، دافع عن مالك، ليس لأحدٍ حقٌّ فيه إلا أنت. تخبرك بأنَّ من واجب المجتمع عليك أن تُذِيق هذا اللصَّ تجربةً مريرة، تجعله يتردد جدًّا في تكرارها.

الأمر ليس صعبًا، خصوصًا أن نسبةً كبيرةً جدًّا من اللصوص — كما رأينا في الإحصاءات — يعتمدون على قوتهم البدنية أو استسلام الضحية، ولا يستخدمون أيَّة أسلحة على الإطلاق.

يمكنك بسهولة جدًّا هزيمة اللص، اعتراضُك وعدم استسلامك يمثِّلان أكثر من نصف النصر. يمكنك تعلُّم كيف تدافع عن نفسك بطُرق كثيرة جدًّا، مثل الالتحاق بدورات تعليم الدفاع عن النفس، التي أصبحت كثيرةً ومنتشرةً جدًّا في أرجاء الوطن العربي، وتكلفتها زهيدة ولا تتطلب ممارسةً طويلةَ الأجل، فقط تحتاج أسبوعين أو ثلاثة. ستتعلم كيف تدافع عن نفسك في الْتحام جسدي أو بالأسلحة البيضاء أو حتى الأسلحة النارية. فقط لا تستمع لمدرِّبك إن أخبرك أن تستسلم لِلِّص دون مقاومةٍ إن كان كلُّ ما يريده هو مالك فقط.

كثيرٌ من اللصوص سيحاولون الهرب بمجرد تيقُّنهم من أنك فعلًا لن تستسلم، فقط تعلَّم أن تقول: لا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد