إن كنت ممن عقدوا العزم على التغيير في رمضان وعلى تحقيق أقصى استفادة منه، فدعنا نبدأ سويًّا. فما أشقاه من أدرك رمضان ولم يغفر له، سنحاول في هذا المقال أن نضع دليلًا مبسطًا لكي نفهم كيف يمكن أن نتغير وأن يستمر هذا التغيير، بالإضافة لإرشادات أخرى في جوانب متعددة من منظور مختلف تمامًا عما أعتدنا على سماعه.

كيف يحدث التغيير ولماذا لا يستمر؟

التغيير ببساطة هو الانتقال من مكان حالي إلى مكان آخر مرغوب. والتغيير يتم على عدة مستويات كي يكون متكاملًا ومستمرًا.

أولًا: تغيير التفكير:

وذلك يتم عن طريق الاقتناع الكامل بسلبيات الوضع الحالي قبل التغيير، وإيجابيات الوضع المرغوب بعد التغيير فعليك أن تفكر جيدًا ما هي سلبيات بعدك عن الله وعدم التزامك وما هي الإيجابيات التي تسعى إليها والتي ستتحقق بتغيرك، فلو أن عقلك اقتنع بأن الوضع الحالي لا سلبيات فيه وأنه وضع طبيعي فلن يستمر تغيرك بعد الشهر الفضيل.

ثانيًا: تغيير المشاعر:

بمجرد أن تبدأ في التغيير لا بد وأن تجد ما يشدك نحو المنطقة القديمة فهي منطقة أمان بالنسبة لك، وتستطيع مقاومة ذلك الحنين نحو الماضي عن طريق استحضار مشاعر الكراهية والحب فبعد كتابة إيجابيات التغيير عليك أن تحب هذا التغيير وتكره وضعك الحالي، فللمشاعر تأثير قوى جدًّا فكراهيتك للشيء ستدفعك للبعد عنه.

ثالثًا: تغيير العمل والسلوكيات:

أي تغيير ناجح لا يمكن أن يكون إيمانًا بلا عمل وقد ورد في القرآن أكثر من خمسين مرة {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} والإنسان بطبعه يهرب من الألم ويقبل على اللذة، وبالتالي عليك أن تستشعر لذة العمل الصالح فإن أحسست أن العبادات ثقيلة وتشعرك بالألم والإجهاد فلن يستمر تغيرك لذلك لا تقسُ على نفسك فخير الأعمال أدومها ولو قل، وتدرج في عباداتك خطوة بخطوة، وتذكر أن الإيمان بذرة توجد بالمعرفة والتعلم ولكنها لا تنمو إلا بالعمل والسلوك القويم.

كيف نصبر على الطاعات؟

كثيرًا ما نخفق في الحفاظ على الطاعات ونجد أنفسنا بعد أن قطعنا شوطًا طويلًا نعود مجددًا من نقطة الصفر، وكي نتجنب تلك العودة علينا أن ندرك أن في النفس ثلاث طاقات تحتاج أن تضبطها ضبطًا موزونًا دون إفراط أو تفريط، وذلك هو ما يعينك على الطاعة، وتلك الطاقات هي:

1) طاقة الألفة: أيهما أحب إلى قلبك الله أم الشيطان؟! لا تتعجب من السؤال فقطعًا جوابك باللسان هو الله ولكن هل هذا هو حال قلبك وسلوكك؟! أي الطريقين أسهل لك طريق الله أم طريق الشيطان؟

2) كن صريحًا مع نفسك فمهم جدًّا أن تكون ألفتك فيما يحبه الله ورسوله فإن لم تكن كذلك ففرصة في رمضان أن تكون كذلك، مجرد ضبط طاقة الألفة كفيل بأن يعينك على الطاعات.

3) طاقة الغضب: إذا زادت مشاعر الغضب في نفس الإنسان أصبح الاستعجال طبعًا فيه والتسرع خصلة فيه؛ مما يبطل أي تأثير لأي طاعة أو عبادة، وإن قل الغضب في النفس وأصبح الإنسان باردًا كالثلج قل فيه الإحساس والخشوع، فطاقة الغضب لا بد من ضبطها فلا يغضبك إلا ما يغضب الله ولا تنفعل وتغضب على توافه الأمور قدر المستطاع.

4) طاقة الشهوة: وهي من أقوى طاقات النفس وتعتبر من أكثر ما يُبعد الإنسان عن الطاعات، والقلب والجسد كلاهما يهلك بالشهوات فلا يقدر على الطاعات والعبادات، والعفة لا تعني الكبت كما لا تعني التحرر من كل قيد، إنما العفة هي الضبط فكلما ضبطت شهواتك كلما اقتربت من العفة وكلما روضتها أصبحت سبيلًا لك على الطاعة.

كيف نجاهد المعاصي؟

ويصعب أن يستمر الحفاظ على الطاعات في نفس الوقت الذي تستمر فيه بارتكاب المعاصي، ومجاهدة المعاصي تبدأ من إدراك أصول الخطايا الثلاثة كما حددها ابن القيم -رحمه الله-: وهي الكبر والحرص والحسد. والصبر على الطاعات بطاقاته الثلاث مرتبط بمجاهدة المعاصي بأصوله الثلاثة أيضًا.

فطاقة الألفة تتأثر بدرجة الكبر في النفس؛ فكلما تكبر الإنسان وأخذته العزة بالإثم كلما كانت ألفته مع الشيطان لا مع الله، والعكس صحيح فالعبد الذي ألفته مع الله ضميره حي يحاسب نفسه دائمًا ولا يغتر بطاعاته ولا يتكبر.

وطاقة الغضب مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحرص فكلما زاد حرصك على الدنيا كلما زاد غضبك فلو حللت طبيعة غضبك ستجد أن جوهره هو الحرص كالحرص على صورتك وكرامتك مثلًا، فكلما كنت حريصًا على الدنيا كلما زاد غضبك على ما فاتك منها.

وطاقة الشهوة مرتبطة بالحسد، فالإنسان لا يشتهي ما في يده إنما ما في يد غيره، فكلما زاد حسدك ونظرك لما في يد الناس كلما زادت شهوتك. فمحاولة التخلص من الكبر في النفس هي السبيل لضبط طاقة الألفة كي تكون مع الله.

والتخلص من الحرص على الدنيا وما فيها من متاع هو السبيل لطاقة غضب منضبطة تصبح معها شجاعًا لا متهورًا ولا جبانًا فلا تفرح بما أتاك ولا تحزن على ما فاتك.

والتخلص من الحسد هو السبيل لطاقة شهوة معتدلة لا شره فيها ولا كبت. وكل ذلك يعينك على الطاعات ويساعدك على مجابهة المعاصي.
كيف نتعامل مع القرآن؟

مما لا شك فيه أننا نترك القرآن كثيرًا ولا نتذكره إلا كل عام في رمضان، وعلينا أن نغير تلك العادة وأن تكون ختمة القرآن بشكل سنوي، فلا نبتعد عن القرآن قدر المستطاع إن أردنا أن يكون القرآن معينًا لنا في الدنيا وشفيعًا لنا في الآخرة.

ولكن تواجهنا جميعًا ثلاث مشكلات، وهي وجود فجوة بيننا وبين القرآن على عدة مستويات:

1) فجوة البصر: وهي عبارة عن حاجب على العقل يعوق عملية الفهم والتدبر بسبب صعوبة اللغة وبعض الأحكام، وتلك حلها سهل فيوجد كتب للتفسير الميسر وتوجد أيضًا برامج لأجهزة الهاتف المحمولة.

 

2) فجوة البصيرة: وهي عبارة عن حاجب على القلب فيكون هناك حاجز نفسي بيننا وبين القرآن وتلك أصعب، ولكن فرصة الشهر الكريم في علاجها أسهل فأجواء رمضان ستساعد كثيرًا في إذابة ذلك الجليد الذي تكتل على قلوبنا.

 
3) فجوة تطبيق: وهي عبارة عن ابتعاد كامل أو شبه كامل عن أحكام القرآن، فيصبح مجرد كلام نظري لا فعل ينفذ ولا سلوك يتبع ولا عبادة يتقرب بها إلى الله، وذلك يختلف عن فهم الصحابة الذين كانوا يتعلمون عشر آيات لا يتجاوزونها إلا وقد عملوا بما فيها من أوامر ونواهي، وأعتقد أنه إذا تم علاج الفجوتين الأولى والثانية فستصبح الثالثة أيسر كثيرًا بإذن الله.

الصيام:

لماذا نصوم؟ الصيام هو إيقاظ للفطرة السوية بداخلنا، هو إنقاذ لإنسانيتنا التي تموت وتذبل مع الوقت فأنت إنسان في اللحظة التي تقود فيها شهوتك لا تقودك هي، في اللحظة التي تقاوم فيها ما تحب وتتحمل ما تكره وإذا كان ذلك هو الصيام فالسؤال هنا هل نحن فعليًّا نصوم بشكل صحيح؟ هناك شاب أجنبي سأل داعية ذات مرة: هل أنتم حقًّا تمتنعون عن الطعام والشراب والشهوات منذ طلوع الشمس إلى غروبها؟! فأجابه الداعية نعم، فرد الشاب وقال: لو كنت أمتلك مثل هذه القوة لحكمت العالم! إن ذلك الشاب الأجنبي غير المسلم فهم معنى الصيام على حق في حين أننا غافلون عن معناه الحقيقي.

ففي رمضان نكسل وتزداد أخلاقنا سوءًا على الرغم من أن الرسول كان أجود ما يكون في رمضان. إن الصيام نوعان صيام سلبي وصيام إيجابي، الأول هو أن تكتفي بالامتناع عن فعل المحرمات، أما في الثاني فيكون الإنجاز في الشهر الكريم شاهدًا لنا.

إن الرسول ما مر عليه رمضان إلا وكان محققًا لإنجاز للأمة في غزوة أو سرية أو خلافه. اجعل لرمضان دفتر إنجازات روحية وعملية تكتب فيه ما فعلته كل رمضان فيكون شفيعًا لك يوم القيامة.

إن الصيام بهذا المعنى ليس صيام معدة فقط إنما هو صيام الأعضاء عن الشهوات، وصيام القلب عن المنكرات، وصيام العقل عن الشبهات، وصيام الجوارح عن الانتهاكات، وصيام النفس عن المحرمات، وهو فوق كل ذلك عمل وإنتاج وفعل وإنجاز.

الصلاة:

عندما سأل صحابي مرافقة الرسول في الجنة أجابه: “أعني على نفسك بكثرة السجود”، وتلك إجابة واضحة لا لبس فيها فمن أراد مرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة فعليه بكثرة السجود.

إن التكاسل في الصلاة هو آفة تصيبنا جميعًا، ومع كل أسف ذلك التكاسل هو لون من ألوان النفاق { إِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً}[النساء:142]، والنفاق الذي نقصده هو الاختلاف بين السلوك والمشاعر.

وذلك التكاسل يكون مرده إلى ثلاثة:

1) إما تكاسل بسبب الوضوء: وذلك معناه أن هناك خللًا في طاقة الشهوة، لأن الوضوء هو طهارة فإن كان قلبك معلقًا بالشهوات أصبحت الطهارة عبئًا ثقيلًا عليك.

2) أو تكاسل بسبب المواعيد: فلا تصلي الصلاة على وقتها أبدًا وذلك معناه خلل في طاقة الغضب التي إما تكون زائدة فتصبح صلاتك نقرات سريعة لا خشوع فيها أو ناقصة فتتأخر في الصلاة وتجمع الصلوات.

3) أو تكاسل في العدد: فتستكثر بينك وبين نفسك عدد الصلوات وتلك أخطرها فهي تعبر عن خلل في طاقة الألفة لديك فألفتك مع الشيطان وإن قلت عكس ذلك، وهنا يظهر بوضوح معنى لون من ألوان النفاق.

وبصفة عامة غياب الخشوع في الصلاة له سبب وحيد وهو التعلق والانشغال بالدنيا ونسيان الآخرة فعليك أن تذكر نفسك بالآخرة دائمًا وقبل أن تقوم إلى صلاتك خذ وقتًا تخلص فيه من هموم ومشاغل الدنيا كي تقبل على الله بقلب صافٍ.

كيف نعبد الله حق عبادته؟

من عرف الله أحبه ومن أحبه أطاعه ومن أطاعه خشى أن يغضبه أو يعصيه.

إن العبادة تكون على ثلاثة أشكال:

1) عبادة حب: وهي عبادة ربانية خالصة الطمع فيها ليس مرتبطًا بعطاء مادي إنما طمع في رحمة الله وعفوه والخوف فيها ليس مرتبطًا بخوف من عذابه، إنما خوف من غضبه خشية منه وخشوعًا له.

2) عبادة طمع: وهي أقل مرتبة فهي مرتبطة بالعائد الذي سيتلقاه الإنسان من الله، وغالبًا ما يكون عائدًا ماديًّا فهو يطيع الله كي يكرمه ويرزقه، كي يتزوج وتتزوج، كي ينجب وتنجب… إلخ.

3) عبادة الخوف: وهي أقل مرتبة من سابقتها فهي مرتبطة بالعقاب، فهو يقوم بالطاعات ويمتنع عن النواهي خوفًا من عقاب يصيبه في الدنيا، خوفًا من الفضيحة، خوفًا من زوال الرزق… إلخ.

كيف يمكن أن تدرك أي عبادة تعبد الله بها حقًّا؟

ببساطة إن العبادة الربانية لا تتأثر بمزاجك الشخصي ولا تتأثر بالبيئة المحيطة، في حين أن الثانية تتأثر بمزاجك الشخصي فأنت تواظب على الطاعة كلما أعطاك الله فإذا منعك انقلبت على رأسك، وأما الثالثة فتتأثر بالبيئة المحيطة فإذا أحسن الناس أحسنت وإذا أساء الناس أسأت وإذا غاب العقاب أسأت الأدب.

حاول أن تراجع نفسك وترتقي بعبادتك حتى تصل للعبادة الربانية التي فيها تعبد الله وكأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.

نصائح عامة:

– من الطبيعي أن تسقط فكلما سقطت فلتكمل طريقك، فالإنسان لا يمكن أن يكون مثاليًّا ولا كاملًا مهما فعل ومهما حاول، والعبرة ليست بتجنب الخطأ إنما بتجاوزه والتوبة وعدم الرجوع إليه.

– ضع خطة في رمضان دون مبالغة فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فكن عاقلًا ولا تطمع وتذكر أن خير الأعمال أدومها وإن قل، ولتكن خطتك شاملة الفرائض والسنن والورد اليومي من القرآن والأذكار وأعمال الخير.

– إن قصرت فلا تستسلم وأكمل طريقك.

– فلتنوِ أن يكون رمضان بداية تغيير مستمر لك.

– تصدق وحاول أن تساهم في إفطار الصائمين فإن لك أجر صيامهم كاملًا.

– أكثر من عمل الخيرات.

– لا تكثر من الطعام والشراب فهذا شهر عبادة لا شهر موائد.

– ابتعد تمامًا عن المسلسلات والأفلام والبرامج الترفيهية فسوف تجعلك من الأشقياء الذين أدركوا رمضان ولم يغفر لهم. |

– تابع البرامج الدينية المفيدة بغض النظر عن موقفك من مقدميها فالحكمة ضالة المؤمن.\

– إن الأخلاق هي أصل العبادات، فابحث عن ما ينقصك من أخلاق وحاول أن تحسنه في هذا الشهر الفضيل.

اللهم اجعل رمضان شفيعًا لنا في الآخرة ومعينًا لنا في الدنيا وليكن بداية جديدة نبدأها.

هذا ما نراه فإن أحسنا فمن الله وإن أخطأنا فلنا أجر المجتهد، وتقصيرنا من أنفسنا ومن الشيطان.
والله أعلم،،،

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد