تأتي الرغبة في دراسة السير مرتبطة بتأثر الإنسان بأعمال العظماء الذين خطوا اسمهم في مدونة التاريخ كلٌ في مجاله. واستجابة لدعوة المولى عز وجل: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب). ولا غَرُوَ أن تحليل الشخصيات أصعب من تحليل الحركات أو الجماعات، لذلك ركبنا غمار هذه الرحلة في دراسة حياة علم بارز استطاع أن يجمع جزءًا كبيرًا من الأمة على كلمة واحدة.

يبقى الهدف الرئيس من دراسة سير الأعلام من الرسل، المفكرين، العلماء، الفلاسفة وحتى الأدباء هو تقصي طريقة تفكير العالم والاحتذاء بحذوه وشحذ الهمم بغية ترك بصمة تنويرية في واقع الإنسان ومحيطه والسير في درب (ورثة الأنبياء). وأهم من هذا وذاك هو اكتشاف طريقة هؤلاء في مواجهة الفشل والصعوبات، لأننا نرى كلَّ إنسان مهما اغترف من بحر المعرفة قد يقع في المحظور سواء في تخصصه أو حياته الشخصية. كما أن الإنسان بطبعه كائن مركب له جانب مضيء وجانب مظلم، واللبيب هو من يُغَلِّبُ كِفَّةَ النور على الدجى لهذا كان العرب قديمًا يطلقون على الإنسان لقب (مجمع الأضداد). وعليه فتناولنا لحياة وفكر هذه الشخصية سيكون مركبًا.

ملاحظة وجب الإشارة لها

قبل أن نلج إلى أعلام الفكر الإسلامي بالدراسة والاستقصاء من خلال المؤلفات التي سودت عن حياتهم ومشروعهم. وجب بداية التمييز بين السيرة الذاتية والسيرة الغيرية، فالأولى يحكي فيها الكاتب عن حياته أو جزءٍ منها. قد يعترف بالزلات التي ارتكبها في مرحلة ما، كما قد يضرب صفحًا عن ذلك. والساحة الفكرية والأدبية تطالعنا بعديد السير الذاتية خذ على سبيل المثال لا الحصر (الأيام) لطه حسين، (مسيرة طويلة نحو الحرية) لنيلسون مانديلا، (حياة قلم) لمحمود عباس العقاد، أما السيرة الغيرية فهي أن يكتب المؤلف عن شخصية أخرى، وهو في هذه الحالة يتمثل تلك الشخصية في البيئة والزمان اللذين عاش فيهما معتمدًا على الذاكرة أو مجاورته للشخصية في فترة من الزمن أو وثائق…، وسواء وقعت أيدينا على النوع الأول أو الثاني فلا مفر لنا من السقوط في المدح و الثناء والإشادة بالشخصية حيث نجد الكاتب في السيرة الذاتية هو صاحب الكلمة الأخيرة في موضوعه لا يستطيع أحد أن يضيف لمادته شيئًا. ورغم أن الكاتب في السيرة الغيرية يعتمد على الوثائق و الحقائق ويكتبها بفهمه لكنه لا يفتَأ يسقط في شَرك محاباة الشخصية ومصانعاتها ولو لم يكن الإعجاب لما أقدم على تأليف الكتاب.

لذلك سنستعين بسيرة غيرية (عودة الفرسان: سيرة فتح الله جولن) لفريد الأنصاري، مع حرصنا الشديد على الدقة والحياد وتلافي كل المبالغات والأضاليل والشطحات الفكرية خاصة أننا أمام علم من المدرسة الصوفية. وحاشا أن نزعم الفلاح بكل ما توخينا، أو ندعي الحقيقة بكل ما تحرينا.

مسار جولن نحو الإصلاح الاجتماعي

إن أرضًا شاع فيها بريق الإسلام عقودًا دعوة وجهادًا لايمكن أن تنجب سوى رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وإنَّ أَيَّ محاولة لطمس الهوية الإسلامية في أي بقعة سيواجه بالاستماثة والذود حفاظًا على القيم التي أرسى دعائمها ديننا الحنيف. وعليه كانت ممارسات مصطفى كمال أتاتورك الاستئصالية الهمجية ضد كل ما يمت للدين بصلة (تغيير اللغة التركية من الكتابة بالحرف العربي إلى اللاتيني، منع الأذان باللغة العربية، غلق دور القرآن، تحييد المساجد، سجن العلماء ونشر نظريات الإلحاد…) سببًا مباشرًا في ظهور فكر يناهض التجربة الأتاتركية بِتُرْسِ التَمَسُّك بالدين وسيف الدعوة.

تجدر الإشارة إلى أن أول من أشعل قناديل النُّورِ في بلاد الأناضول هو بديع الزمان النورسي في كتبه ورسائله المسماة بـ(رسائل النور) وطلبته الذين نشروا دعوته بعدما حُطِّمَت المصابيح فوق رؤوس المُتَهَجِّدِين.

الحادي عشر من نوفمبر 1938 يوم تاريخي بامتياز فهو اليوم الذي خرج فيه فتح الله جولن للوجود بعد يوم واحد فقط من هلاك أتاتورك، وبمولد فتح الله ولد معنى جديد للحياة في تركيا شَبَّ الفتى كنَوْرَسٍ ينتقل بين المساجد والكتاتيب طالبًا للعلم ومصلحًا من أرضروم إلى أدرنة، إسطنبول،كروجك، إسكندرون، إزمير…

هكذا فتح الله جولن من سرى الدَّيْجُورِ (مأساة الواقع المحارب للدين) إلى مَعَارِج النُّور (حمل لواء الدعوة الإسلامية). رَحَّالَةٌ يطلبُ العلمَ، وإمامٌ إِنْ سَنَحَتْ الفرصة. وجدير بالذكر أن فجر الدعوة والموعظة مع فتح الله بزغ منذ صباه حيث طُلِبَ منه إلقاء المواعظ في المناسبات والأعياد الدينية في مسجد قرية كروجك كموعِظة (إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر) وهي متعلقة ببيان جانب من محنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مواجهة عدو الله العاص بن وائل الذي وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) بالأبتر. فكان أهل القرية ينظرون بعيون الإعجاب والأمل إلى فتى حط بجناحيه على شرفات قلوبهم فأشعل بها قناديل المحبة.

ظل فتح الله يزاوج بين السياحة الحرة في الكتب والإمامة إلى أن تعرف على رسائل النور (وهي توصيات وتوعية إيمانية لبديع الزمان النورسي) سنة 1957. ولم يكن يومها قد تجاوز التاسعة عشرة من عمره، ليدرك أنه المُخَاطَبُ برسائل النور وعليه إنجاز الخطوة الثانية. أكمل فتح الله رحلته ليتوقف قطار النور في أدرنة فَعُيِّنَ إمامًا وواعظًا بمسجد الصومعة البيضاء لفترة من الزمن بعد اجتيازه امتحانًا من قِبَلِ وكيل المفتي السيد إبراهيم أفندي وكان الانبهار والإعجاب يدق قلب الوكيل.

لا نُنْكِرُ حقيقة أنه رغم إمامة فتح الله لمساجد أَدِرْنَة لم يكن داعية كامل الدَّعَوِية بل كان يخصص وقت فراغه للابتهالات الروحية والخلوة الإيمانية خاصة أنه كان مقيمًا بالمسجد، إلى أن قرر ذات يوم الخروج من عزلته واقتحام المقاهي لمشاركة العامة الحديث عن هموم الوطن والدين. وما هي إلا أيام حتى بدأت علاقاته الدعوية تأتي أُكُلَهَا فأقبل الشباب على المسجد من كل حدب وصوب بل تأثر به حتى بعض القضاة ورجال الشرطة في مقدمتهم مدير أمن أدرنة (رسول بك).

في هذه الفترة ورغم التضييق المادي والمعنوي بدأت تصدر بعض المنشورات الإسلامية من جرائد ومجلات نخص بالذكر جريدة (الرجل الحر) حيث كان يشتري فتح الله أربعين نسخة يوزعها على المواطنين وباقي الراتب يقتني به نسخًا من (رسائل النور) وبعض الكتب الأخرى المفيدة فيوزعها مجانا وبتنويعه هذا لأساليب الدعوة والمواجهة يكون قد انخرط بقوة في معركة المسلمين الكبرى في تركيا آنذاك.

شكلت تجربة التجنيد الإجباري بصمة هامة طبعت مسيرة فتح الله الدعوية الإصلاحية فقد استطاع رغم قيود وصرامة القوانين داخل الثكنة العسكرية بحي مماق (حي الانقلابات التاريخي) أن يغامر بجرأة عجيبة إلى اتخاذ مسجد يَؤُمُّ فيه الجنود وكانوا من النذرة بمكان إلى أن بدأ العدد في تزايد وصل إلى الثلاثين، ويُحْكَى أَنَّهُ ذات جمعة صلى بهم الفريضة في القاعة المخصصة للعرض السينمائي مما أثار غضب واحتقان المعادين للإسلام وأهله، فعمدوا إلى الساحة التي اتخذها مسجدًا وحولوها إلى حديقة. هذه الصورة توضح حالة الحرب العقائدية والأيديولوجية بتركيا في الثلاث عقود الأخيرة من القرن العشرين.

انتقل صاحبنا بعد نهاية الخدمة العسكرية إلى تطوير أشكال المواجهة الفكرية فأسس بمعية رفقائه ناد متعدد الأنشطة الدعوية والتربوية لمواجهة المد الشيوعي وكان من ثماره محاصرة الإلحاد ونشر رسائل النور وسط الشباب. وقد كانت هذه الأنشطة وغيرها من وعظ في المساجد وتوجيه بوصلة الشباب نحو الدين «خارج القانون» أو مخالفة لهوى وفكر الثلة الحاكمة والجهات الأمنية ليجد جولن نفسه بين أسوار السجن بعد مطاردة طويلة.نعم سُجِنَ جولن مراتٍ ومراتٍ ومرات كانت بمثابة أشواط استراحة لمراجعة الأفكار وترتيب الصفوف والاختلاء بالذات كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن حبسي خلوة وإخراجي من بلدي سياحة وقتلي شهادة.) كانت فترات السجن تمتد لأشهر معدودات التقى خلالها بفسيفساء من الطوائف الشيعة، المجاذيب، الشيوعيين وإخوانه من طلبة النور لكن القصة الأبرز كانت مع فتى يعيش اضطرابًا نفسيًا جعله يفكر في الانتحار فشرع فتح الله يذكره بالله ويعرفه بجمال قضائه وقدره ويضمد جراح روحه العميقة ثم بدأ الفتى يسر بهذا الكلام كثيرًا حتى عدل عن فكرة الانتحار.

تقلد فتح الله عدة مناصب دينية،قضائية وتربوية من بينها الإدارة التربوية لمدرسة الكَسْتَنَاء وكان خلالها يمرر دعوته الإصلاحية الشيء الذي ضايق المشرفين على المدرسة ليتم تجريده من صلاحياته. فما كان من الأستاذ إلا الاستقالة والشروع رفقة أصدقائه منهم إلى اكتراء منزل كبير كثير المرافق جعلوا فيه أقسامًا للدراسة وداخلية للطلاب. ومن إزمير انتشرت تجربة «مدارس الخِدْمَة» فكانت رسائل تبشير له احتضنها طلاب الأستاذ فتح الله وموَّلَهَا مُحِبُّوه من رجال الأعمال الذين تنافسوا في البناء والشراء والكراء حتى أشرفت عمارات المدارس في جميع ربوع تركيا بل جميع أنحاء العالم.

تحول بذلك فتح الله من واعظ بين المساجد إلى رمز للإصلاح الاجتماعي وقتها مما مكنه من ولوج الحقل السياسي، وقد تزامن دخول المعترك السياسي مع صعود تيار إسلامي متمثل في حزب العدالة والتنمية. أيد بداية جولن هذا الحزب وحالف قادته خاصة رجب طيب أردوغان لينقلب هذا الأخير عليه ويحاربه بشتى الوسائل بعدما أدرك أن فتح الله له علاقات وطيدة مع حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه الحكومة ككيان إرهابي. هذه الخصومة التي لم ولن تنتهي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جولن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد