منذ سنوات وتركيا تسير بخطى ثابتة نحو القطع مع الإرث الإنقلابي للعسكر. ذاك الإرث المرهق لأربع انقلابات انطلقت منذ سنة 1960م كلّفت البلاد تراجعاً اقتصادياً وتشتتاً مجتمعياً وثقافياً، إرث جعل الإمبراطورية العظمى عاجزة عن استرداد أنفاسها للحاق بركب التقّدم والحداثة دون إغفال لأصالتها الإسلامية.

انقلابات أتت على الأخضر واليابس كان من أبرز ضحاياها الحكومة المنتخبة ديمقراطياً بقيادة عدنان منديرس ليليه آخر بعد عشرية من الزمن حيث انقلب العسكر ثانية  سنة 1971 ثمّ سنة 1993 ليكون آخر الانقلابات على نجم الدين أربكان رئيس حزب الرفاه رغم كونه يتزعم حكومة إئتلافية وقد سمي بـ”انقلاب ما بعد الحداثة” إنقلاب كان وقوده الإسلاميين، حيث شهدت البلاد فترة انتهاك الشديد للحريات الدينية من ذلك إغلاق المؤسسات الدينية ومدارس الأئمة الخطباء إلى جانب حظر الحجاب في الجامعات.

وفي خضم هذه الانقلابات كان الأب الروحي لـ”حركة الخدمة” التركية فتح الله كولن يتنقّل بين المدن متخفياً يسعى لتركيز جيل “مؤمن” يحمل هم العقيدة الإسلامية ويعيد أمجاد الإمبراطورية العثمانية. كما أن الرجل لم يسلم من السجن.

ولكنّ مواقف كولن ظلت غير مفهومة حيث حاول كسب ودّ العسكر من خلال منحه مباني على ملك حركة الخدمة للعسكر التركي المعروف بتوجهاته العلمانيّة، ومع وصول حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية للسلطة في تركيا حدثت محاولة إنقلاب جديدة على رئيس الحكومة المنتخب رجب الطيّب أردوغان إلاّ أنّها باءت بالفشل، بل وساهمت في تركيز أقدام الحزب في دفة الحكم.

وظلّ الحزب إلى اليوم يقود تركيا منذ ما يقارب الإثنا عشر سنة، لم يبقى حزب العدالة والتنميّة في رأس السلطة في تركيا عن طريق التسلّط والاستبداد ولكن من خلال مشروع اقتصادي واجتماعي تنموي جعل تركيا اليوم تنحو منحى القوى الاقتصادية الصاعدة في عالم يشهد تراجع كل من أوروبا والولايات المتحدة بسبب الأزمات الاقتصادية.

لم ينسى أردوغان أن يعزف على وتر حساس لدى العرب والمسلمين، إذ بعد أنّ قدّم لشعبه نموذجاً اقتصادياً ساهم في القفز بالبلاد من خط الفقر نحو بناء المجد، جعل الرجل من قضيّة فلسطين قضيّة محورية لا يمكن التنازل عنها. والخدمة التي ساندت أردوغان منذ سنة 2002 وكانت ظهره الذي يحميه، أبدى زعيمها الروحي فتح الله كولن موقفاً سلبياً من إرسال الحكومة التركيّة سفينة لكسر الحصار عن غزة. حيث اعتبر ذلك تدخلاً في شأن دولة ذات سيادة طالباً من أردوغان الاستئذان من السلطات الإسرائيلية للدخول إلى قطاع غزة، وحمّله مسؤولية قتل مواطنين أتراك.

شيئاً فشيئاً تضخمت حركة الخدمة فلم تعد مجرّد مساند بل أصبحت تناقش المواقف سياسة الخاريجية للبلاد. بل أكثر من ذلك سعت الحركة للتغلغل في أوصال الدولة حيث أصبحت لها مؤسسات إعلامية لعل أبرزهاوكالة ”جيهان” للأنباء، كما تمتلك مجموعة ”سامانيولو” التي تضم ست قنوات تلفزيونية متنوعة، إضافة إلى ثلاث إذاعات. وتغطي هذه المجموعة 150 دولة، ولها بث خاص بأميركا وأوروبا ودول آسيا الوسطى باللغات التركية والإنجليزية والألمانية والأذرية. كما تمتلك مجموعة زمان الإعلامية التي تصدر جريدتي زمان التركية ونسختها الإنجليزية ”تودايز زمان”.

إلى جانب المؤسسات التعليمية المتمثلة في مدارس ومؤسسات خاصة ومراكز للدعم تعد الأكثر إنتشار حيث تقوم بإعداد التلاميذ لامتحانات قصد دخول أعلى الجامعات ترتيباً، بل وتواصل الخدمة متابعة الطلبة داخل المؤسسات الجامعية ومبيتات السكن. قصد بناء قيادات الغد في كل المجالات الحيوية في الدولة.

والغريب أنّ  حركة الخدمة توسعت بسرعة كبيرة وباطراد يثير الريبة، إذ بعد أربعة عقود على تأسيسها وفي ظِل 3 انقلابات عسكرية (تكونت سنوات بعد الانقلاب الأول)، وفي زمن كان العدو الأساسي لسلطات الانقلاب هم الإسلاميين ورجال الدين، كونت للخدمة أكثر من 12 جامعة في تركيا ولديها 1500 مؤسسة في قارات العالم الخمس.

لكن الأكثر إثارة أن يتخذ الداعية فتح الله كولن من بنسلفانيا في الولايات المتحدة مقراً له وكان قد اتخذ منفاه هذا بصورة اختيارية. و أن يكون للخدمة في الولايات المتحدة فقط أكثر من 100 مدرسة فضلا عن مراكز الأبحاث وغيرها من المؤسسات، مما جعل البعض يؤكّد بأن لها علاقات مثيرة للريبة وخاصة مع الولايات المتحدة إلى جانب كونها تعيش حالة ودية مع الغرب ككل.

ولم تكتفي الحركة بالمجال الإعلامي والتعليمي حيث تغلغلت في القطاع الاقتصادي لتمتلك الحركة ”بنك آسيا” الذي يُعد أكبر بنك إسلامي بتركيا، بينما يتجمع رجال الأعمال الموالين لتوجهات الحركة في جمعية “توسكون” والتي تعتبر الذراع المالي لها. إلى جانب بعض الجمعيات الخيرية التي لها نشاط عابر للقارات مثل جمعية “هل من مغيث؟”.

كلّ هذا الارتباط بالسياسة وقيادات الحركة تؤكد النأي بنفسها عن مجال السياسة، ولئن استطاع كولن أن يجعل حركته لا تصنف ضمن حركات الإسلام السياسي ولا ضمن الحركات الجهادية المرفوضة من الأنظمة العربية والغربيّة على حدّ سواء، فإنه ظاهريا جعل إسلام حركته “أشبه بالإسلام الكنسي” حيث لا يُعتبر الإسلام قادر أن يكون نظام حكم ولا شكلاً للدولة.

لكن ذلك لم يجعل الجماعة تسبح بعيداً عن فلك السياسة حيث عرفت بالتحالفاتها مع الأحزاب السياسية في مقابل الدعم والامتيازات. كما سعت إلى التغلغل في مؤسسات الدولة وإعتلاء أهم المناصب. حيث تواجدت في أجهزة القضاء والشرطة والاستخبارات، حتى أنّ البعض اتهمها باعتماد “تقية سياسية” التي تجيز لأعضائها التخلي عن بعض العبادات لاخفاء انتمائهم.

ويرى كولن ضرورة العمل تحت سقف الحكومة والتنسيق معها باعتبار أن القيادة السياسية هي “ولي الأمر”. ولعلّ المتعارف عليه أنّ حركة الخدمة ذات توجهات صوفيّة وبالتالي فلا يمكن التفكير لوهلة أنّ أعضاء الجماعة يتحركون من دون توجيهات الأب الروحي فتح الله كولن.

وخلال ديسمبر 2013 اختارت الخدمة الخروج من تحت مظلة السلطة السياسية أو الخروج على “ولي الأمر” ألا وهو حزب العدالة والتنمية بقيادة كلّ من رئيس الجمهورية عبد الله غول ورئيس الوزراء رجب الطيب أردوغان. خلاف نشب واستشرى بعد أن قرر الأخير غلق مراكز الدعم التابعة للحركة معتبراً أنّه تتيح الفرصة لأعضاء الخدمة للتفوق على حساب باقي أفراد المجتمع.

إجراء قد لا يكون بالخطورة القصوى على الحركة. لكنّها اختارت أن تعادي أردوغان وحتّى شق العدالة والتنميّة بالسعي لإحداث شرخ بين الزعيمين غول وأردوغان بعد الرسالة التي أرسلها كولن داعياً غول للتدخل لإيقاف ما اعتبره ظلم أردوغان للحركة. وتواصلت ضربات الخدمة حين اتهمت أبناء وزراء حكومة أردوغان بالفساد وبعلم آبائهم، مما تسسبب في حل الحكومة وإعادة تشكيل أخرى.

وقبيل الانتخابات البلدية واصلت الحركة سياسة قطع حبل الودّ مع رئيس الوزراء من خلال تسريب تسجيلات صوتية منسوب له يوصي خلالها ابنه بإخفاء أموال منهوبة.

وتجاوزت الحركة كلّ الخطوط الحمر بعد تسريب اجتماع للأمن القومي جمع أعلى قيادات الجيش مع رئيس الجمهورية ووزير الخاريجية ووزير الدفاع، مما يؤكد أنّ هدف الحركة ليس رأس أردوغان فحسب.

ولم تقف الخدمة ذات “التوجه الإسلامي” عند هذا الحدّ حيث قامت بالتحالف مع الكماليين ذوي التوجه اللائكي للسعي لإسقاط أردوغان معتمدة في ذلك سلاح الإعلام لتشكيل الرأي العام.

يبدو أنّ الخدمة لم تساند حزب العدالة والتنمية على أساس مبدئي باعتباره حزب ذو توجه إسلامي، بقدر ما كان تحالف مصلحي قصد مزيد التغلغل في مفاصل الدولة، لكن دون بلورة فكرة واضحة بخصوص الحكم. إنّ تهافت الخدمة على المناصب السيادية داخل الدولة جعلها تخدم الكماليين والشيوعيين الرافضين لفكرة أسلمة تركيا من حيث لا تدري.

والأكيد أنّ نتائج الانتخابات البلديّة باحت بنتائج أثبتت الحجم الحقيقي للحركة في صفوف الشعب التركي، حيث كان الأحرى بها أن تتغلغل في صفوف الشعب عوضاً عن التغلغل في المناصب السياسية والسيادية دون ضمان سند شعبي.

فهل أنّ الخدمة تخدم الإسلام أم تخدم أعداءه؟ وهل جماعة كولن تريد المشاركة في الحكم دون أن تتحمل المسؤولية والتبعات السياسية لذلك وبالتالي لا تكون في موقع المساءلة أمام الشعب؟ أم أنّ هدفها تكريس إسلام جديد لا يتجاوز المنهج الروحاني المفرغ من كلّ نفس للمقاومة والتحدي وهي ترى أردوغان “السياسي الإسلامي” يتحدى الغرب من خلال إرساء منظومة اقتصادية قادرة على الحد من هيمنة الغرب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد