أثناء حديثه عن التهديدات الإيرانية للخليج في لقاء لندني خلال شهر أكتوبر الماضي، ألمح وزير الخارجية البحريني إلى أنهم سيشترون القبة الحديدية الإسرائيلية، وقال خالد بن محمد آل خليفة نصًا: “الإسرائيليون لديهم قبتهم الحديدية الصغيرة، وستكون لنا واحدة ولكن أكبر”.

هذا التصريح تزامن مع تقارير نشرتها فوكس نيوز الأمريكية وسكاي نيوز البريطانية وصحف إسرائيلية تحدثت عن نية الخليجيين شراء أنظمة دفاع جوي إسرائيلية مضادة للصواريخ منها القبة الحديدية و(مقلاع داوود) و(السهم1) و(السهم2)، عبر وسطاء أمريكيين.

بالطبع سارعت دول الخليج إلى النفي القاطع لهذه الأنباء، مؤكدة أنها لم ولن تشتري شيئًا من إسرائيل، لكن مصادر خليجية أخرى قالت إن دول الخليج ستشتري قبة حديدية “أمريكية” وليست إسرائيلية.

واقع الأمر أن القبة الحديدية وهي نظام دفاع جوي بالصواريخ ذي قواعد متحركة لصد الصواريخ قصيرة المدى والقذائف المدفعية، صنعتها بالأساس شركة “رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة “بالتعاون مع شركة “التا سيستمز لصناعات التكنولوجيا المتطورة” وهما شركتان إسرائيليتان، ومولت الحكومة الأمريكية المشروع بسبب ارتفاع تكلفته.

وتحتاج دول الخليج إلى القبة لمواجهة الصواريخ الإيرانية المحتملة، خاصة وأنها أثبتت نجاحها في مواجهة صواريخ المقاومة الفلسطينية، وأسقطت 90% من الصواريخ التي أطلقت على الأماكن المأهولة بحسب المصادر الإسرائيلية، لكن دول الخليج ستشتريها عبر وسطاء أمريكيين؛ لأنها مضطرة دائمًا وأبدًا إلى نفي أية روابط بينها وبين إسرائيل.

ودون الخوض في تكهنات حول العلاقات غير المعلنة بين إسرائيل ودول مجلس التعاون التي كشفتها تسريبات ويكليكس أو تصريحات متناثرة هنا وهناك، يمكن الحديث عما هو معروف ومؤكد من تقارب الطرفين في مواقف بعينها، وتأتي إيران على رأس أسباب التقارب هذه.

لطالما تخوفت دول الخليج من جارها العملاق الفارسي خصوصًا مع قيام الجمهورية الإسلامية وسعيها لتصدير الثورة، وزادت المخاوف مع التغلغل الإيراني في العراق بعد سقوط صدام، ثم مع اندلاع المظاهرات التي أيدتها إيران في البحرين، ومؤخرًا استيلاء الحوثيين على السلطة في اليمن واتهام السعودية لإيران بدعمهم.

وبعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، والذي سيؤدي لرفع العقوبات، يتوقع جيران طهران أن يتضاعف الخطر الفارسي، لا سيما بعد فك الأرصدة المجمدة ورفع الحظر عن استيراد السلاح وهو ما يعني قدرة الإيرانيين على الحصول على أسلحة عالية التكنولوجيا وبالذات الطائرات والصواريخ.

ويزيد قلق حلفاء أمريكا المقربين بسبب الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة من المنطقة، فبعد النمو المطرد للوقود الصخري وقرب تحولها إلى مُصدّر صاف للنفط ما يعني تراجع أهمية النفط الخليجي، وأيضًا توقيع الاتفاق مع إيران رغم معارضة إسرائيل الشرسة وامتعاض الخليج الواضح، بدا أن الولايات المتحدة تتخلى عن تأثيرها التاريخي القوي في المنطقة وتفسح المكان لآخرين، مركزة اهتمامها على منطقة المحيط الهادي لمواجهة الصين منافسها الأهم.

ويتحدث منظرون أمريكيون مثل مارتين إنديك نائب رئيس معهد بروكنجز وسفير أمريكا السابق لدى إسرائيل عن سيناريو مشابه يغطي فيه التوازن بين إيران الشيعية من ناحية والقوى السنية مضافـًا إليها إسرائيل من ناحية أخرى، انسحاب أمريكا من المنطقة دون أن تختل الموازين.

فحين تُترك دول الخليج وحيدة في مواجهة صعود إيران الكارهة للملكيات الخليجية والداعمة للسكان الشيعة المقموعين، فإنها لن تجد حليفـًا سوى إسرائيل المهددة من إيران وأذرعها في المنطقة، في ظل ضعف بعض الدول العربية وانشغالها بأوضاعها الداخلية المتأزمة أو خضوع البعض الآخر لسيطرة إيران.

ويشترك الطرفان في معاداتهما للتمدد الإيراني الإقليمي، فبينما تواجه السعودية وأشقاؤها الخليجيون الحوثيين في الجنوب، تواجه إسرائيل خطر حزب الله في الشمال، كما يشترك الطرفان في عدم الرغبة في بقاء الأسد على رأس سوريا، فقد دعمت السعودية المليشيات السنية في مواجهة نظام بشار، بينما تواترت التقارير عن استقبال إسرائيل لجرحى الميليشيات في مستشفياتها، وقصف طيرانها أكثر من مرة أهدافـًا للنظام وإيران وحزب الله بالقرب من هضبة الجولان المحتلة.

ويبدو موقف الطرفين متشابهًا إزاء موجة الربيع العربي، فسقوط النظام المصري سبب لهما قلقـًا شديدًا، وتخوفت السعودية من امتداد موجة الديمقراطية إليها وسارعت إلى سحق بوادرها في المنطقة الشرقية والبحرين، كما تخوفت إسرائيل من رحيل حليفها مبارك، خاصة بعد صعود الإخوان المسلمين المرتبطين بحماس، لذلك كان سقوط مرسي مريحًا للطرفين، فسارعت دول الخليج إلى تقديم دعم اقتصادي كبير للسيسي، كما يبدو السيسي حليفًا مقربًا لإسرائيل خصوصًا مع حملته ضد الأنفاق وقطيعته التامة مع الإخوان.

أيضًا يعتقد الخليجيون والعرب عمومًا أن لإسرائيل تأثيرًا سحريًا على أمريكا، وهو أمر صحيح إلى حد ما، حيث يندر أن يرفض البيت الأبيض طلبًا إسرائيليًا، ويسارع الكونجرس دائمًا إلى منح إسرائيل أكثر مما تطلب، والخليجيون يحتاجون هذا التأثير الإسرائيلي لحماية مصالحهم المرتبطة بالولايات المتحدة.

لكن هذا التقارب ليس كافيًا لبناء علاقات بين الطرفين؛ فهناك عداء شعبي واضح والأنظمة الخليجية لا تعترف بإسرائيل، التي تحتل الأراضي الفلسطينية ولا تبدو متحمسة لمبادرات السلام وعلى رأسها المبادرة السعودية التي قدمها الملك الراحل عبد الله ورفضتها إسرائيل في حينها.

ومع أن هذا مازال مستبعدًا لكن التغيرات السياسية في المستقبل القريب ربما تفرض نمطـًا من أنماط السلام وتفتح الباب للعلاقات، فالسلطة الفلسطينية ضعيفة ومترهلة، وحماس التي أنهكها الحصار الخانق والحروب تبدو مستعدة للسلام أكثر من أي وقت مضى، وإسرائيل تحتاج إلى سلام يوقف الانتفاضات المتتالية للفلسطينيين ويخفف العداء في محيطها، ودول الخليج وعلى رأسها السعودية سترحب بلعب دور الوسيط في مفاوضات السلام وهو ما يقوي وزنها الإقليمي والدولي ويعطيها مبررًا للتعاون مع إسرائيل، خصوصًا في ظل دعوة الرئيس المصري إلى توسيع دائرة السلام مع إسرائيل لتشمل دولاً عربية أخرى، والسلام أو حتى مفاوضات سلام يشارك فيها الخليجيون ستفتح الباب لتطبيع عربي إسرائيلي.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد