شهدت منطقة الخليج عدة أزمات وصراعات، وذلك منذ تأسيس وقيام دولة قطر تحت حكم عائلة «آل الثاني» وزاد العداء عند اكتشاف البترول، وكذا وجود أكبر احتياطي للغاز المسال في العالم الموجود في منطقة الشمال، والتي تعد قطر الأولى عالميًّا في مخزون الاحتياط وفي التصدير وبعدها روسيا ففي عام 1995 كانت هناك محاولة انقلاب على الأمير حمد بن خليفة بمشاركة عدة دول منها: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكذا مملكة البحرين إضافة إلى جمهورية مصر؛ احتجاجًا على انقلاب حمد بن خليفة على والده خليفة بن حمد ومحاولة إعادته إلى الحكم، خاصة بعدما لاحظوا بوادر ومحاولة الاستقلال بالسياسة الخارجية لدولة قطر والخروج عن النهج الخليجي.

فبعد فشل الانقلاب وتحرك الجهات الأمنية وحماية المؤسسات السيادية في قطر وحماية أيضًا مقرات الإذاعة والتلفزيون وكشف المتورطين في الداخل والخارج قامت بعدها بتأسيس «شبكة الجزيرة الإعلامية» في نوفمبر (تشرين الثاني) 1996 لتكون صوت قطر في العالم والجيش الأول المدافع عنها من أي عملية تنقلاب أخرى مستقبلًا.

ومرت سنوات على هذه الحادثة وبمطلع عام 2010 واندلاع ثورات الربيع العربي بداية من تونس مرورًا بمصر وليبيا والدول الأخرى، تصدرت قناة الجزيرة المشهد ووقفت في صف الشعوب، ومساهمتها في سقوط عدة أنظمة ودعمها للتيار الإسلامي المتمثل في الإخوان المسلمين في تونس «راشد الغنوشي»، وفي مصر «محمد مرسي» وغيرهم.

وهذا ما عمَّق الخلاف مع الدول الأخرى، خاصة السعودية والإمارات ومعارضتهم لسياسة قطر ومن شبكة الجزيرة الإعلامية؛ لأنها تعارض سياساتهم ومصالحهم وحاولوا دعم الرؤساء المخلوعين بكل ما أمكنهم، فعندها قامت كل من الإمارات والسعودية وبدعم من إسرائيل بقيادة الثورة المضادة على الشعوب، ونشر الفوضى الخلاقة وسيادة منطق اللادولة في مختلف الدول التي ثارت شعوبها ضد حكامها.

ففي عام 2014 وصلت هذه الدول الخليجية إلى النقطة المسدودة ففكروا في محاصرة قطر ومقاطعتها اقتصاديًّا وقطع العلاقات الدبلوماسية، خاصة بعد حصول قطر على شرف تنظيم مونديال 2022، ويعد ذلك إنذارًا لها على مراجعة سياساتها وعدم الخروج عن السرب وممارسة الأدوار الأكبر منها وعودتها إلى حجمها الطبيعي.

فلم تدم المقاطعة إلا أيامًا، ويمكن القول إن قطر رضخت لمطالب الدول المقاطعة لها، وقبلت بشروطهم المتمثلة في الالتزام بوحدة الصف الخليجي، وتوحيد الجهود لمحاربة التمدد الإيراني، والتقييد من حرية شبكة الجزيرة وعدم نشر الفتن، وعدم دعم حركة الإخوان المسلمين أو الإسلام السياسي، والعمل على استقرار المنطقة؛ فعادت العلاقات الدبلوماسية، وجرى فك الحصار الاقتصادي والعزل السياسي لها.

لكن قطر لم تلتزم بأي شرط منهم، فلم تمض إلا ثلاث سنوات، وبالضبط في شهر رمضان الموافق شهر يونيو (حزيران) 2017 أعلنت فجأة محاصرة قطر مرة أخرى ونسبت لها التهم نفسها بكونها تدعم الإرهاب والإسلام السياسي، وتنشر الفتن والقلاقل عبر قناة الجزيرة وعلاقاتها مع إيران.

فالجديد هذه المرة أن رغم قساوة الظرف الزمني وصعوبة الموقف القطري من هذه الأزمة فإن الحصار فشل هذه المرة في كل المجالات. فعوضًا عن إعادة قطر إلى الصف الخليجي، إلا أن دول المقاطعة أعطت فرصة أخرى للتمدد الإيراني في المنطقة وللتغلغل التركي، وزيادة التقارب والتحالف بين قطر وتركيا، وانتهت بإنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر وزيادة المعاملات الاقتصادية، وفتح الخطوط البحرية مع إيران، وشنَّت قطر ذراعها الإعلامية «شبكة الجزيرة» على الدول المحاصرة لها؛ فزاد من تعميق الخلافات وطمس أي مبادرة للتقارب مع رفض 13 شرطًا التي تمس بسيادتها.

وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات من الحصار أو المقاطعة وفي ظل الوساطة والمساعي الكويتية لإعادة العلاقات بين قطر والدول المحاصرة لها وإعادة الشرخ الحاصل في مجلس التعاون الخليجي، وزيادة التهديدات الإيرانية وحلفائها خاصة على المملكة العربية السعودية، ومجيء رئيس جديد في الولايات المتحدة الأمريكية، جو بايدن، وسياسته في المنطقة.

كون أن قطر دولة حليفة للولايات المتحدة؛ إذ إنها تحتضن مختلف اللقاءات والمشاورات التي تجريها حاليًا أمريكا مع حركة طالبان في الدوحة  ووجود القاعدة الجوية الأمريكية في منطقة العديد.

وكذا عدم إعطاء فرصة لإيران بالتمدد في المنطقة، وأن تحتوي قطر خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية المفروضة عليها؛ إذ ترى أنها المتنفس الاقتصادي لها وأيضًا التمدد التركي خاصة في وجود خلافات بين أردوغان والرئيس المنتخب جو بايدن.

فتعد المملكة العربية السعودية أكثر الدول المقاطعة لقطر إصرارًا على حل هذه الأزمة، وفتح الحدود البرية والجوية معها؛ لأنها المتضرر الأكثر من هذا الحصار، وجرى اختيار منطقة العلا التي تعد منطقة جبلية ووعرة التضاريس بحيث لا يمكن أن تصل إليها الصواريخ الحوثية، خاصة في ظل زيادة هجمات جماعة الحوثي عليها المدعومة من إيران، وتعريض أمنها القومي للخطر أكثر فأكثر.

ودون أن ننسى رغبة إسرائيل في حل خلافات الدول الخليجية من أجل إكمال سلسلة التطبيع مع الدول المتبقية، وأقصد كلًّا من قطر وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، من أجل تكوين حلف عسكري وتنسيق أمني بينهم لمحاربة إيران والميليشيات المدعومة من طرفها، والتقليل من نفوذها.

فقمة العلا المنعقدة مؤخرًا وإعلان عودة العلاقات وفتح المعابر والأجواء وفك الحصار على قطر، هي رغبة أمريكية وإسرائيلية بالدرجة الأولى وقابلها
الأمير تميم بحضوره شخصيًّا، وذلك من أجل مواجهة التحديات الإقليمية في ظل التوسع الروسي والصيني والتركي مؤخرًا في منطقة الشرق الأوسط، الذي يعد مصدر قلق للإدارة الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد