الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

تمضي الشهور سريعًا وما هي إلا أسابيع قليلة وينقضي العام الأول على الأزمة الخليجية، ولنتفق أولًا على هذه التسمية كتسمية إجرائية بما أن هناك الكثير من الشواهد تدل على أن محيط الأزمة يتعدى حدود الخليج بمئات الأميال، ولنوثّق للتاريخ أن يوم نشوب هذه الأزمة الحقيقي كان في الرابع والعشرين من مايو (أيار) من العام المنصرم عندما شرعت بعض القنوات التابعة للثلاثي الخليجي السعودية والإمارات والبحرين بنشر تصريحات منسوبة كذبًا وزورًا لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

اللفت للنظر أن اشتعال هذه الأزمة كان بعد زيارة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب للمملكة العربية السعودية، حيث انعقدت حينها القمة الخليجية الأمريكية والقمة الإسلامية الأمريكية وهذا يطرح عدة تساؤلات حول الأجندة الخفية التي تم تناولها أثناء هذه الزيارة بين ترامب من ناحية وبين السعودية والإمارات من ناحية أخرى، الأمر الآخر والمحير لدى المتابع للشأن الخليجي هو أن الإجراء الذي قام به الثلاثي الخليجي والذي كان ينسف بالأساس مبدأ التقاضي بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي قوبل بصمت مطبق من قبل أمين المجلس استمر لشهور بعد نشوب الأزمة، ثم كان أول ما خرج منه هو انتقاد مباشر للإعلام القطري الأمر الذي كان بعيدًا تمامًا عن حيثيات نشوب الأزمة ومسارها، ولست هنا لمجرد طرح وقائع متعلقة بالأزمة إذ إن الوقائع كثيرة جدًا ولكن فقط أستذكر البعض منها والذي يمكن أن نستبين من خلاله ملامح الأزمة وأبعادها.

عديدة هي العوامل التي ولّدت هذه الأزمة ولا نستطيع تحديد تاريخ معين لمقدمتها، فيمكن القول أنها بدأت عند محاولة الانقلاب على الشيخ حمد بن خليفة عام 1996 ويمكن القول إنها بدأت بعد الانقلاب على السلطة الشرعية في مصر ويمكن القول إنها بدأت بعد القمة الخليجية في السعودية، أما الدوافع الحقيقية فمنها السعي لقمع استقلالية دولة قطر بقرارها السياسي والنمو الاقتصادي الواضح خلال العقدين الأخيرين، ويحضرني هنا تصريح الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي بأن 50% من النجاح هو فشل المنافس، ومنها قمع المعارضة المصرية بكل انتماءاتها والتي لجأ معظمها لدولة قطر تحت عنوان محاربة الفكر المتطرف، ومنها السعي الحثيث للشيخ محمد بن زايد ولي عهد الإمارات لمحاربة تيار الإسلام السياسي وتبني كل التحركات في هذا الاتجاه ومنها قمع موجات ما يُعرف بالربيع العربي، والتي وصلت للعديد من البلدان وكانت في طريقها بالفعل للوصول إلى الخليج، وهنا يمكن أن نفهم التحالف الذي بدأ تشكله بين السلطة الإماراتية وبين الدولة العميقة في مصر والذي تطور إلى تحالف بين السلطة الإماراتية وسلطة الانقلاب الممثلة بعبد الفتاح السيسي، والذي انقضمت له السعودية والبحرين فيما بعد ومؤخرًا اللواء المتقاعد خليفة حفتر من ليبيا.

اعتمد هذ الحلف اعتمادًا أساسيًا على أمريكا في تحقيق أهدافه الاستراتيجية وفي سبيل هذا بذلت السلطة في الإمارات جهودًا دبلوماسية ضخمة عبر سفيرها هناك يوسف العتيبة، وأيضًا مبالغ مالية ضخمة وكذلك فعلت السعودية، أما نظام الانقلاب المصري فلأنه لا يملك ما تملكه الإمارات والسعودية لجأ إلى توطيد علاقاته مع السلطة الإسرائيلية عبر زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري للقاء نتنياهو والذي التقى فيما بعد على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة مع السيسي وهذا ليكون جسرًا يوصله إلى الولايات المتحدة وربما فيما بعد ينال شرعية من الأنظمة العالمية الكبرى، ومن ناحية أخرى استخدم أموال الإمارات والسعودية لإحكام قبضته أكثر وأكثر على الدولة بحيث لا تقوم قائمة لكل ما يمكن أن يشكل مقاومة أو ثورة ضده.

عندما نتكلم عن الثورات وثورات الربيع العربي لا يفوتنا أن نتكلم عن التغطية الإعلامية لتلك الثورات والتي قامت بها قناة الجزيرة القطرية، والتي كما قال وزير الخارجية القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني أنها سببت للحكومة القطرية صداعًا شديدًا بسبب ردود الأفعال والضيق من العديد من الدول العربية بسبب ما تقدمه هذه القناة، إلا أنه لا شك أن قناة الجزيرة كانت نقطة تحول في تاريخ العمل الإعلامي والإخباري وظلت لعقود متفوقة على جميع القنوات التي ظهرت بعدها، أما التغطية الإعلامية لثورات 2011 جعلتها أحد أهم أهداف هذا التحالف الأمر الذي ظهر في أحد شروط إلغاء المقاطعة المتمثل في إغلاق القناة بشكل نهائي.

نستطيع القول بأن هذا التحالف ليس تحالف دول بقدر ما هو تحالف نخب، ولا نقصد بالنخب هنا علية القوم وأشرفهم وإنما نقصد المتحكمين بمقاليد السلطة في دولهم ولا داعي لأن أقول أن أجندة هؤلاء لا ترتبط بأي شكل بالمصلحة العامة أو مصلحة المنطقة المتأججة أصلًا بنيران الحروب والصراعات منذ عقود خلت، والأمر لم يقتصر على مجرد مصالح خاصة بل حرص هذا التحالف على أن تكون لهذه الأزمة أبعاد سياسية وتجارية واجتماعية وثقافية وحتى رياضية، فكان من أهم تبعات قرار المقاطعة (والتي كانت بعدة المعطيات حصارًا حقيقيًا) منع السفر من وإلى قطر وإجلاء كل الوافدين القطريين في دول التحالف خلال فترة وجيزة وحظر كل أشكال التبادل التجاري، الأمر الذي تسبب في قطع صلات الرحم وتمزيق الأواصر والعلاقات الأسرية لمئات العوائل والأسر مما أضر كثيرًا بالنسيج المجتمعي الخليجي والذي لا يتحدد بالحدود الجغرافية للدول فالأسرة الخليجية تجد فيها القطري والسعودي والبحريني والكويتي وربما أكثر.

حرص هذا التحالف على عزل قطر بشكل تام عن كل ما يمكن أن يجمعها بأي التقاء خليجي، ويمكن تبين هذا في التصعيد الذي كان في أكثر من مناسبة ضد مراسلي قنوات BEIN Sport القطرية ورفض دول المقاطعة إجابة الدعوة للمشاركة في كأس الخليج والذي كان من المفترض إقامته في قطر وغيرها الكثير من الشواهد، كما أدلى الفنانون والشعراء بدلوهم في هذه المعمعة وتفننوا في هجاء قطر وحكومتها بأقسى الكلمات ولا يفوتني هنا ذكر تركي آل الشيخ صاحب كلمات أحد الأغاني والذي تفوق على غيره بسلوكياته المشينة في حق قطر والقطريين كلما سنحت له فرصة.

بعد انقضاء ما يقارب العام على هذه الأزمة والذي يبدو أنه لن يكون الأخير لم تراوح الأزمة إطارها الإعلامي الذي اشتعلت فيه، وكادت أن تفعل ذلك مرة بحسب ما تسرب من معلومات أكدها ضمنيًا الأمير الكويتي الشيخ صباح الجابر الصباح في لقائه مع دونالد ترامب والذي هو الآخر حاول أن يلعب وفق ما يحقق مصالحه والتي تلتقي تارة مع التحالف وتارة مع قطر، أما المتصارعون إعلاميًا فهم قنوات أربع دول ضد قناة واحدة والتي بالرغم من تفوقها الواضح على قنوات دول التحالف في الاحترافية والمهنية إلا أن مصداقيتها صارت موضع شك فالتحول الواضح في تغطية أخبار اليمن والقضايا المحلية في السعودية والإمارات والبحرين كل هذا يعلم الجميع أنه سيتغير بتغير الحالة السياسية بين قادة الدول المتنازعة وأكبر دليل على هذا هو إغلاق قناة الجزيرة مباشر مصر.

إنها الأزمة التي جعلت الكل مرتزقًا من الأموال القطرية أو السعودية أو الإماراتية، والأزمة التي انتقل خلالها خبل الإعلام المصري وحماقاته إلى البيئة الإعلامية الخليجية والأزمة التي عرفنا فيها أن الدين عند كثير من الشيوخ ليس سوى مادة يعلموها لطلبتهم دون أن يعلموا أنفسهم أن يتخذوا بهذا العلم مواقفًا مما يحدث في محيطهم، وعرفنا أنه ليست الكلمة وحدها (جهرًا أو تغريدًا) يمكن أن تلقي بصاحبها في غياهب السجون بل الصمت أيضًا، وعرفنا وزراء يخصصون وقتًا مقدّرًا للتويتر منهم من يستخدم لغة التخوين ووصف الغير بالمرتزق ومن يخوض في جدلية تاريخية تتسبب في أزمة بين بلدين مبتعدين بذلك عن كل الأعراف الدبلوماسية التي يتسم بها من كان في مكانتهم، وعرفنا أنهار الأموال التي يتم الإغداق بها على أمريكا في صفقات السلاح وغيرها والتي لو تم إنفاق عشرها على قطاع غزة على سبيل المثال لما اشتكى فيها أحد بعد اليوم.

 ومع كل أزمة كهذه تنسحب ثقافة وآداب الحوار شيئًا فشيئًا من الساحة السياسية فتخلو إلا من الحمقى وأشباه المثقفين، أما العقلاء فمصيرهم إلى السجون أو إلى قوائم الإرهاب والتي يصنعها كل من شاء وقتما شاء، والخاسر الأكبر والذي تقع عليه تبعات كل أزمة كهذه في عالمنا هو الشعوب التي تأتي في نهاية أولويات هذه النخب فبينما تعاني هذه الشعوب بسبب مصاعب الحياة تقوم هذه النخب بإنفاق هذه الأموال المليارية لتحقيق أطماعها وهذا يأتي بطريقة أو بأخرى بزيادة متاعب الشعوب وأزماتها، وأمريكا التي تدّعي أنها منبع الديمقراطية والحريات هي التي ترعى في الواقع هذه الأنظمة الديكتاتورية بما يحفظ مصالحها ومصالح طفلها المدلل الصهيوني الغاصب، ولأجل عيونهما لن تتوانى هذه النخب عن السعي لسلخ الأمة عن دينها وإنتمائها وهويتها.

باختصار دوام بقاء هذه النخب على السلطة مرهون بشعوب غارقة في الجهل والفقر وضنك العيش، وهذه الشعوب نفسها هي التي سيخرج أبناؤها إلى الخطوط الأولى للقتال وستكون دماؤهم أول الدماء التي تسيل في سبيل صراعات قد تقع بين هذه النخب أو مجرد نزوات عابرة.

فإلى الله المشتكى وهو حسبنا ونعم الوكيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد