منطقة الخليج التي تعد من المناطق الأكثر حيوية في الشرق الأوسط، وتعتبر القلب والشريان لباقي قارات العالم أن البيئة الاستراتيجية لهذه المنطقة لا زالت تحت طور التغيير والتبدل الكلي والجزئي بناء على التطورات التي تشهدها هيكل وبنية النظام الدولي من ناحيه والصراعات الإقليمية من ناحية أخرى.

تاريخيًا شهدت البيئة الاستراتيجية للمنطقة تحولات عدة في القرن الماضي مرورًا إلى الوقت الحالي، وبخاصة في ضوء ما تشهده المنطقة من أحداث متسارعة وتطورات مطردة ومتشابكة ذات تداعيات معقده مكانيًا وزمانيًا في آن واحد، ولكن الجدير بالذكر أن منطقة الخليج تتميز بالقوة الاقتصادية والجيوستراتيجيه التي تجعلها في تقلبات مستمرة، إلا أنها احتفظت بجوانب الثبات في مكوناتها والقوى المؤثرة فيها بدءًا من أحداث سبتمبر (أيلول) 2001 وصولًا إلى الحرب الأمريكية العراقية 2003 حتى جاء في نهايه المطاف إلى ثورات الربيع العربي وتداعياتها التي لا زالت في طور السيولة وعدم اليقين.

معالم البيئة الاستراتيجية في الخليج (1991- 2011)

كما نعلم أن حرب الخليج 1991 أثرت تاثيرًا جوهريًا على معطيات البيئة الاستراتيجية في المنطقة، وتحديدًا في بعدها الأمني، وغيرت مفهوم أمن الخليج الذي جاء به كارتر، وهي حمايه الخليج من أي تدخلات خارجية، الحرب الخليجية أوجدت معطيات جديده في البيئة الاستراتيجية سواء فيما يتعلق بمعادلة توازن القوى بين إيران والعراق أو فيما يخص التهديد لأمن الخليج، ولكن متى تغير مفهوم أمن الخليج بشكل فعلي؟

جاءت التغيرات في ضوء الحرب العراقية الأمريكية 2003 إذ إن الأمن الوطني لدول الخليج تغير بشكل جذري، وأيضًا مفهوم الأمن الإقليمي القومي للنظام العربي هذه من ناحية، ولكن من ناحية أخرى بروز النفوذ والتواجد الإيراني العسكري في الخليج، وبلا شك إيران كانت تشكل خطرًا على أمن الخليج نظرًا لسياستها المتعارف عليها، وهي الاستحواذ الإيراني على الخليج، ففي طور هذه الأحداث هنا تبدأ الخليج بتغيير سياسة الأمن الخليجي وفق نتائج الحرب من خلال مساهمة أمريكا في تقوية مفهوم الأمن الخليجي، وكقوة تدخلية متصدية لمصادر التهديد الإقليمية في الخليج، وعليها سعت إلى إعاده هيكلة منظومة الأمن في المنطقة.

هذه الحرب فتحت على الخليج الوجود العسكري الأجنبي الدائم في الخليج والقبول بأنها أهم ضمانات الأمن في المنطقة، وجاء بناء على الدعوة الذاتية من دول المنطقة لتحقيق أهداف معينة ومنح المسوغ والغطاء القانوني بموجب اتفاقيات ومعاهدات تعاون وتنسيق أمني ثنائي مشترك بين دول الخليج والقوى الكبرى، ومنها سيتم إعاده تقييم مصادر التهديد المحتمل لأمن الخليج.

التحولات في بنية البيئة الاستراتيجية في الخليج (2011 – 2013)

بدأ عام ثورات الربيع العربي التي غيرت مسارات دول وسياساتها وأنظمتها هنا منطقة الخليج تبدو وكأنها في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات القرن الماضي حيث شهدت المنطقة بعد عام 2011 تحولات جوهرية في طبيعه الأدوار، وتبدلًا في المصالح الحيوية للقوى الكبرى الفاعلة في النظام الدولي، وجاءت في مقدمتها الولايات المتحدة، حيث تراجعت نسبيًا في الشرق الأوسط في عهد أوباما من خلال انسحاب القوات الأمريكية في عام 2011 بالعراق والتحول الجيوساسي في الاستراتيجية الأمريكية، وركزت على منطقه آسيا والشرق الأقصى والمحيط الباسيفيكي.

ومن جانب آخر نرى أن هناك تحولات في أسواق النفط العالمية، حيث وجهت أمريكا أنظارها إلى النفط الصخري الذي تسعى إلى متابعة تطوراته في أمريكا، هنا لن تكون أمريكا بحاجة قوية إلى نفط الخليج، بل ستقلل أهميه الخليج بعد الاعتماد على النفط الصخري، إن ثورات الربيع العربي ساهمت في تغيير هيكلة التوازن في القوى الإقليمية، خاصه بعد تراجع مكانه مصر وسوريا والعراق تحت وطأه عدم الاستقرار، وتركز على الأمور الداخلية لتصبح القوى الخارجية هي اللاعب الأساسي في المنطقة، حيث إن تركيا أصبحت اللاعب الجديد الذي قام بدوره في ملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه خروج العراق من معادلة الأمن الخليجي والعربي بعد الغزو الأمريكي، حيث قدمت الخليج تركيا على أنها القوى الصاعدة في المنطقة، والمنافس لإيران، وهذا ما نراه في الوقت الراهن من صعودها وكسب اللعبة لصالحها.

أن السيناريو المحتمل للبيئة الاستراتيجية للخليج في المستقبل يتعين على دول الخليج أن تواجه التحديات والتهديدات في المنطقة وأهمها هي التطورات الداخلية والدور الإقليمي المستقبلي للعراق، والعمل على إعاده تأهيله ودمجه مجددًا، ولابد أن تسعى إلى تنظيم علاقاتها مع النظم السياسية الحاكمة في دول الربيع العربي والتعامل مع التداعيات المحتملة من اندلاع صراعات إقليمية في الشرق الأوسط على سبيل المثال: المواجهة بين الغرب وإسرائيل وبين إيران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الخليج في سياق استراتيجي متغير ، محمد بدري عيد ، مركز الجزيرة للدراسات
عرض التعليقات
تحميل المزيد