تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية (الاسم الرسمي) صيف عام 1981م رغم اتساع الخلافات الحدودية بين دوله آنذاك كرد فعل على ثورة الخميني على الضفة الأخرى من الخليج وفكرته بتصدير الثورة للدول المجاورة وعلى رأسها العراق، الكويت، والسعودية. أحد أهم أهداف هذا المجلس هو تنسيق التعاون بين دوله وصولًا لـ«الوحدة» حسب المادة الرابعة من النظام الأساسي للمجلس بتاريخ 1981م. ولا يخفى على أحد أن هذا الهدف لم يزل حبرًا على ورق حتى وقعت أحداث غزو الكويت عام 1990 وما تلاها من عواقب دعت الدول لتعزيز التعاون العسكري والمدني بينها بإنشاء قوات درع الجزيرة وإزالة بعض العقبات بين مواطني المجلس للمرور بين دوله والإقامة الدائمة فيها.

المهم في هذا الموضوع هو اقتراح الملك عبد الله – رحمه الله – في أعقاب احتجاجات الربيع العربي ومحاولة إيران استثمار غضب الشباب ونفوذها سياسيًا في سوريا والبحرين تحديدًا – بالتحول إلى اتحاد خليجي للدول الست، الأمر الذي عارضته عمان ظاهرًا ودول أخرى في الاجتماعات المغلقة. على أية حال تلك (أمة قد خلت) فالقيادات في عديد من بلدان الخليج تغيرت وانتقلت إلى الجيل التالي ولكن لم تزل المشكلة الهيكلية في مجلس التعاون لم تحل بعد. أربع من الدول الست الأعضاء في المجلس ينتابها تخوف وتوجس من فرض النفوذ السعودي عليها. هذه الحقيقة ليست وليدة اليوم بل هي هواجس سبقت تأسيس المجلس ومذكرات عديد من الدبلوماسيين تذكر ذلك مثل مذكرات السفير غازي القصيبي رحمه الله.

إذن هناك ما يشبه أزمة ثقة بين حكومات دول المجلس ويوجد مشكلة أيضًا في آلية تنفيذ اتفاقات المجلس. فعلى عكس الاتحاد الأوروبي الذي تعتبر قوانينه نافذة ومتعدية حتى على النظام القضائي لداخل الدول الأعضاء، تعتبر اتفاقيات مجلس التعاون «اختيارية» إن صح التعبير. وهناك تباين كبير في التنفيذ بين الدول الأعضاء دون وجود عواقب حقيقية. نأخذ مثلًا الأزمة القطرية الأخيرة، لب الأزمة في أن النظام القطري تعهد بمجموعة من التعهدات للمجلس ولم يتم تطبيقها. النظام الداخلي للمجلس لم يستطع حل الأزمة وإجبار النظام في قطر والالتزام بالتعهدات فاضطرت بعض الدول لأخذ تدابير بعيدة عن النظام الأساسي للمجلس، إذن فما الفائدة منه؟

أعتقد أن أزمة الخليج في رمضان المنصرم دليل واضح على انقضاء عصر وحاجة مجلس التعاون. فالنظام في إيران لم يعد يريد تصدير الثورة ولم يعد بإمكان الأنظمة في الخليج بأية حال إيقاف تدفق المعلومات من أي مكان، ناهيك عن إيران المجاورة. تحولت المواجهة العربية – الفارسية إلى مواجهة بين مليشيات وحرب بالوكالة في سوريا واليمن، وحرب لكسب النفوذ في أفريقيا وعلى صفحات الصحف الغربية، وحرب اقتصادية في اجتماعات أوبك وإغراق سوق النفط الدولي بفائض الإنتاج.  مواجهة مفتوحة وغير معروفة النتائج يحتاج فيه العرب لملعب سياسي جديد خاصة بعد خروج مصر وسوريا كدول محورية في المنطقة.

إذا لم يكن بالإمكان الوصول للاتحاد الخليجي فما لا يدرك كله لا يترك جله. لابد من تنسيق واضح بين أكثر من دولة من دول المجلس بثلاثة مجالات رئيسية على الأقل: السياسة النقدية، السياسة الخارجية، التنسيق العسكري والتسليح. ليس هناك فائدة من ست عملات لست دول جميعها مصدرة للنفط، وليس هناك فائدة من سياسة خارجية تتنافس مع بعضها البعض كملوك الطوائف بالتاريخ الأندلسي، وبكل تأكيد لابد من تنسيق أكبر بكثير بموضوع التسليح (على سبيل المثال معظم الدول تنفق عشرات المليارات على سلاح الطيران، بينما البحرية الخليجية بأمس الحاجة للتكنولوجيا والتدريب). لذلك أدعو قيادات البلدان وعلى رأسهم السعودية والبحرين للمبادرة باتفاقيات ثنائية وحاسمة. كثيرًا ما انتقد المراقبون سرعة وفجائية تقلب السياسة الخارجية بعهد الملك سلمان. لكن هناك شيئًا واحدًا لا يتخلف عليه منصف: السياسة الخارجية السعودية الآن دائمًا ما تلعب دور المبادرة وتضع الآخرين في رد الفعل. من عاصفة الحزم المفاجئة، لتيران وصنافير، ومرورًا بالسبهان في العراق، واتفاق أوبك باللحظات الأخيرة مع روسيا، قطع العلاقات مع إيران، وزيارة واشنطن ببداية عهد ترامب، انتهاء بإغلاق منفذ أبو سمرة. يستطيع الملك سلمان وإدارته بكل تأكيد إقناع القيادة والبرلمان البحريني بجدوى مجموعة من التدابير التي تعزز من دور البلدين في المجالات الثلاثة: تبدأ مثلًا بربط عملتي البلدين بسلة عملات موحدة مصحوبًا بتوحيد نظام العمل والعمال في البلدين ومعاملة البحريني معاملة السعودي في نظام التأمين الاجتماعي، ثم تعيين مجلس أعلى للتنسيق السياسي. الخطوة التالية ستكون ضم جيشي البلدين تحت لواء جيش واحد ووزير دفاع واحد ثم استصدار العملة الموحدة بين البلدين: الدينار الخليجي.

الفوائد للبلدين غير محدودة. فبينما لكل بلد حكومته الخاصة ونظامه السياسي الخاص، فإن الشركات في البلدين ستتمتع بحق الاستثمار الحر بالبلد الآخر وسيتمتع المواطنون بين البلدين بحرية العمل والانتفاع بعروض العمل بشكل أكثر سلاسة لأن نظام التأمين الاجتماعي والعمل موحد. سيتمكن البلدان من توفير النفقات العسكرية واستثمار الأصول العسكرية المتواجدة بالبلد الآخر دون الحاجة لشراء قطعتي سلاح نفسها أو مخزونات قطع غيار. مليارات ستوفر وتستثمر في البنية التحتية والمشاريع التطويرية. أخيرًا العملة الموحدة ستكون أقوى من الريال والدينار البحريني. وسيتطلع باقي الدول لهذه التجربة وسيكون هناك لوبي حقيقي من الاقتصاديين ورجال الأعمال في باقي الدول للضغط على الحكومات للانضمام لهذه السلة التجارية والدخول للسوق السعودي والبحريني. خطوة جريئة كهذه ستجعل من الاتحاد الخليجي حقيقة وتجعله قطارًا يمشي على الأرض، نموذجًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

مر الوطن العربي بالكثير من المآسي والصعوبات والتقسيم وتقسيم التقسيم. ربما حان الوقت لتجربة جديدة تجربة تجري مجرى الوحدة هذه المرة وتثبت للمشككين رغبة العرب بالصعود من الكبوة اللاحقة بهم. لن تكون هذه التجربة الأولى بالعالم فلدينا تجارب منوعة جلها بأوروبا مثل توحيد ألمانيا بالقرن التاسع عشر والاتحاد الأوروبي وتوحيد الصين ببداية القرن العشرين. تجارب منوعة ولا بد من دراستها في بلدان الخليج دراسة بحثية حتى لا نقع بأخطاء وقع بها من كان قبلنا من الامم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد