كنا في خضم ذلك النقاش السياسي، دائمًا ما نكون كذلك، لحظات وتبدأ الأصوات في الارتفاع تدريجيًّا نحن جزء من مجتمع تخلى عن السلام حتى في المناقشات، هنا يتدخل أحد الكبار قامة وعلمًا الرجل جراح عبقري لو وددت رأيي لتسمع منه جملة هي الأغبى سياسيًّا على الإطلاق بعيدة تمام البعد عن كل منطق وأي عقل، حتى القريب العاجل لم أجد أي تفسير لمواقف مثل ذلك عقول مرموقة تهديك آراء ومواقف لا علاقة بثقافاتهم على الإطلاق، الأمر لا يقف عند ذلك الحد، لكن بالنسبة لي بدأت تلك المواقف التي لا أجد لها تفسيرًا منذ خمس سنوات بداية بالثورة ومرورًا بكل ما تلاها، حتى الثورة ذاتها لم أستطع أن أجد لها تفسيرًا يرضي ذلك العقل الشغوف بسؤال المنطق عن تفسير لكل شيء، الملايين صبروا ثلاثين عامًا على الأقل هناك عشرون عامًا منهم من سيئ لأسوأ، فلماذا الانفجار الآن، الشرطة ظلت في أوج قوتها أعوامًا، وكان هناك ألف خالد سعيد ولم يحدث شيء، وفي ثمانية عشر يومًا فقط انفجر كل شيء يطارد الدكتاتور في المحاكمات وقيادة جديدة للبلاد، وحتي إن اتضح المسلسل بعد ذلك، إلا أن رد فعل الجمهور لم يكن متوقعًا أبدًا في العديد والعديد من المناسبات التي يسهل ذكرها وأعلم أنها تدور في ذاكرتك الآن، لم أكن قادرًا على تفسير كل ذلك حتى تعرفت على غوستاف لوبون من خلال رائعته سيكولوجية الجماهير، هنا وفي تلك اللحظة فقط بدأت أجد بعض التفسيرات، غوستاف كان مثلي أمام الثورة الفرنسية، وقف حائرًا أمام جموع الجماهير الغاضبة وهي تدمر الملكية وتطيح بالملك وتطيح المقصلة بالعديد من الرقاب، كان يستغرب فرحة الجمهور عندما يشاهد تلك الإعدامات وكيف تحولت تلك الجماهير المستكينة أبدًا إلي ثور هائج لا يرضى إلا بالدماء، شاب من عائلة راقية ينضم لصفوف الجموع الغاضبة، الكثير والكثير من الأحداث التي لم يقبل المنطق تفسيرها وقتها، لكنه حللهم كجمهور، هنا ظهرت تلك الكلمة المفتاح السحري والتفسير لكل شيء تقريبًا، الجمهور من السهل إثارته وبأبسط الأشياء، لذلك كان من السهل بعد الثامن والعشرين من يناير أن يحرق الجمهور كل أقسام الشرطة تقريبًا ومقرات الحزب الوطني بأكملها، ومقرات أمن الدولة، وإن فسرت ذلك على أنهم كانوا رمزًا للظلم فبالتأكيد مقرات الحماية المدنية ليست كذلك، والعديد من المراكز التجارية التي تم نهبها ليست كذلك، في ذلك الوقت كان الجماهير في أوج اشتعالها ولم يكن أبدًا من الممكن أن يؤثر بها أي شيء.

الجماهير لا تهدأ سريعًا أو ربما لا تهدأ أبدًا بعد سقوط النظام كان وقت البناء قد حان، فلنهدأ جميعًا ولتتوقف المظاهرات و… لا حياة لمن تنادي لم تهدأ الجماهير إلا بعد عام أو أكثر من وقتها.

الفرد في جمهور يعتبر في أقل مرحلة عقلية وحضارية، وهنا التفسير الذي بحثنا عنه دومًا، الفرد يفقد قدرته على التحليل المنطقي، كذلك يفقد القدرة على التفكير بعقلانية، ويصبح فريسة لآراء الجمهور التي دومًا ما تتسم بالبساطة واللامنطقية، وهنا أعود لصديقنا الذي ذكرته في البداية هو انساق وراء الجمهور وراء العامة، لذلك فقد القدرة تمامًا على نقد أية فكرة زرعت في رأسه بسبب الجمهور، وهكذا كانت تلك هي آراءه، يمكن لتفسير غوستاف الأخير أن يفسر لك بعض الشيء لماذا مجموعات بها أعضاء كثر في مكانة مرموقة علميًا ولها قرارات خاطئة تمامًا بل تسببت في دمار، ولدينا واحدة من هؤلاء في وطننا الحبيب كذلك دليل آخر على ذلك هي حادثة معبد الشعوب الشهير، وإن لم تسمع عنها عزيزي القارئ دعني أعطيك نبذه، جيمس (جيم) جونز قام ذلك الشخص بتأسيس ما يسمى بمعبد الشعوب، وحتى لا أطيل عليك تذكر هذه الحادثة على أنها من اشهر حوادث الانتحار؛ حيث أقنع جيمس 950 عضو من أعضاء منظمته بالانتحار بالسيانيد بين هؤلاء 200 طفل، لك أن تتخيل ما يقرب من الألف شخص يتجرعون السم معًا بدون أي إعمال للعقل، يبدو غوستاف محقًا بعض الشيء، يبدو أن الانخراط وسط جمهور ضار جدًا بالمنطق وقد يسبب الوفاة العقلية أولاً أو أكثر من ذلك كما في معبد الشعوب.

دع عقلك يوجهك، فكر وحلل جيدًا لا تكن واحدًا من القطيع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد