يغلق «جامع الكتب» الكتاب، ويسكت للحظة.

ولكن تكررت وقفاتي وسكتاتي في هذه الرواية لا للحظة بل للحظات، ما بين دهشة وصدمة أكملتها، وأنا أردد بين الحين والآخر ما قاله ماريو بارغاس يوسا عن هذه الرواية «لن أنسى أبدًا هذا الكتاب»، لن أنسى تلك الرجفة التي انتابتني لأول مرة والدموع التي لم أستطع أن أقاومها، وهذه الرعشة التي لم أقدر على السيطرة عليها، ولن أنسى تلك التفاصيل الثقيلة التي لن تغادر ذاكرتي بسهولة، حتى كادت تتصرف بعقلي من تلقاء نفسها؛ لأول مرة أغلق راوية وأخاف أن أقربها لعدة أيام، لكني لم أقدر على مفارقتها حتى أنهيها.

شاهدت عبر السنين العديد من الناس ينغلقون على أنفسهم ويختارون وحدتهم الأبدية هذه فقط ليفقدوا ما تبقى من عقولهم في النهاية بسبب الحنين إلى الماضي وكآبة الحجز. يستطيع هذا المكان أن يقتل أي أحد، وأنا لا أقصد المرضى وحدهم، فعنبر العلاج النفسي أقرب شيء صنعه البشر إلى الجحيم، دوائر علاجية وغـرف مغلقة للميئوس من شفائهم، سجن كبير أعد مخصوصًا لأولئك الذين يأتون إلى هنا، وهم مسجونون في أنفسهم بالفعل.

بأجواء غرائبية سوداوية، وسرد مزدحم بحكايات متعددة متداخلة مع النص الأصلي كتبها جوستابو بطريقة فيها من المبالغة في الخيال والغموض ما يثير الجنون، ووصف مشبع بالتفاصيل لجميع الحركات والسكنات، وعرض واضح للدوافع الخفية وراء تصرفات الشخصيات، يخوض جوستابو فابيرون رحلة غامضة داخل مشفى للأمراض العقلية عبر راوي الرواية الدكتور جوستابو المتخصص في علم نفس اللغة، رحلة جبر عليها تمامًا؛ ليجد نفسه وقد تورط في فك غموض جريمة قتل اتُّهم فيها صديقه دانيال «جامع الكتب»، فيبدأ في البحث وربط الأحداث، وتصدمه الحقائق حين تتكشف واحدة تلو الأخرى.

أتدري كيف يكون حالك حينما تحبس المرض بداخلك ويتم منعك من التعبير حتى عن أعراضه، لدرجة أنك تفقد القدرة على العيش في هدوء وسلام؟! لم أعقب؛ بدا لي السؤال غير موجه لإنسان بعينه.

كانت صوفيا مرض دانيال وسره الذي لم يكشف عنه إلا قبيل زيارة الموت بقليل، كما كانت ذنبه الذي حركه سريعًا نحو نهايته ونهايتها معه؛ ستكتشف في النهاية أن كل ما فعله من إخفاء للحقائق، كان من أجل حمايتها، أجاد جوستابو كتابة شخصية دانيال «جامع الكتب»، الذي سجنته وحدته داخل أفكاره، وقاده هوسه بالكتب إلى الانعزال والانفصال عن الواقع، هذا المهووس الذي يريد إعادة النظام للعالم بطريقة الكتب التي يقتنيها، شغوفًا بالاختلاف، يحاول أن يؤسس لهذه النظرية (النفاء كمهرب)، كطريقة مجنونة للهروب من هذا العالم.

 يبدو أن الناس تظن أنني أعيش فوق سطح القمر، وأنني مغيب عن كل ما هو حولي، وأن عالمي صغير محدود، وأنني غير متزن ومشوش بسبب كل هذا الجنون الذي أجده في الكتب، والأشياء التي أطرحها في مقالاتي، أو ما أجمعه في منزلي أو في مكتبتي. الحقيقة أن كلامهم صحيح في جزء منه. أعترف لك بأنني مهووس بالتاريخ والفلسفة والأدب، ولذلك يراودني إحساس بأنني أضحّي بكل مهم لأجل تلك اللحظات من الماضي وهو إحساس لو تعلمين أليم، فأدفن نفسي بين الورق، لأخرج بين الحين والآخر بفكرة جديدة، تكون في الغالب بعيدة كل البعد عمّا يسميه الناس الواقع والحياة، حتى آمن الكل بأنني لست سوى مخبول هائم على وجهه وسط ممرات مكتبة بابل. الحقيقة لست كذلك. أنا لا أرفض أن أتعامل مع العالم من حولي؛ ولكنني أرفض أن أتظاهر بأنه أهم من أي شيء، تفهمين؟ تلك اللحظات من الماضي أو من المستقبل، تلك المشاهد غير الواقعية من الحكايات، والأحلام، والمشاريع التي ينحيها المرء جانبـًا كل يوم، ولكنها تبقى موجودة رغمـًا عنا. كلها عوالم لا تقل عن هذا العالم في شيء، وأنا لا أتجاهلها أو أحط من شأنها. لذلك رأيت أنني لو عشت في عديد من الأمكنة في وقت واحد، فعندها يكون لي عذري لو أنني غبت عن هذا العالم من وقت لآخر، ما رأيكِ؟

الترجمة كانت لا بأس بها، فيما عدا إقحام العامية في بعض الجمل والأخطاء الإملائية، وطريقة البناء والمعالجة للنص جيدة، كما أجاد في كتابة النص الروائي المشفر على طريقة إيكو، واستخدام الشفرات على لسان المجانين، أما النهاية فجاءت مرضية تمامًا لتوقعاتي.

تثير هذه الرواية التساؤلات بشكل خانق ومخيف، هل يمكن أن نعيد للعالم نظامه بالطريقة التي تعلمناها للكتب؟ وهل إحساس الذنب قد يقود صاحبه نحو الهاوية إن كان هذا الشعور خاطئًا منذ البداية؟ هل يقود الشغف إلى حافة الجنون أو التوحش؟

 وعزم هذا اليوم على أن يجمع الكل من حوله في دائرة تألفت من أطياف نفوس ومن أرواح تعاني في ظل شجرة لا وجود له حتى يحكي لهم حكايته؛ حتى يصير واحدًا منهم وحتى يتحقق له الهروب من نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد