يفضل العديد من كتاب السيناريو أن يقوموا بإخراج أعمالهم الفنية، هذا لأن النظرية والتجربة أثبتت أن الكاتب هو الحلقة الأضعف في تنفيذ الرؤية النهائية، على الرغم من كونه الفنان الوحيد في العمل الذي يبدأ المشروع بورقة بيضاء، فيما يستطيع بعضهم من خلال سيناريو قوي فرض وجهة نظره التفصيلية على رؤية المخرج فيخرج الفيلم وكأنك تراه من عيني الكاتب، على كل الأحوال، هناك أفلام ترى فيها القصة طاغية على كل شيء، وحين ترى لنفس صانع الفيلم منتجًا آخر يمكنك أن تعرفه وترى ما رأيت مرة أخرى لكن بطريقة مختلفة، والعبقرية أن تبقى في كل مرة منتبهًا متيقظًا متحمسًا للفيلم دون ملل..

 

1)
عصابات “جاي ريتشي”
“جاي ريتشي” هو ذلك المخرج الإنجليزي الذي إن أردنا أن نعبر عنه في كلمة واحدة، يمكننا من خلالها وصف أعماله، ووجهة نظره في القصة والإخراج والصورة، ستكون هذه الكلمة هي اسم فيلمه الأشهر، “Snatch” وتعني نتفة، أو خطف.

7

 

هكذا هو نموذج القصة لدى “ريتشي”، أطراف قصته دومًا كثيرة متداخلة بطرق المصادفة، لكنها مصادفة على قدر عالٍ من الحبكة تجعل الأحداث تسير بسرعة وخطف فعلًا كما هو اسم الفيلم، قصص العصابات المتنافسة على شيء واحد، يحظى به كل فريق لفترة، ثم يخطفه آخر، فيمتلكه لفترة، فتخطفه عصابة ثالثة، هذه هي حكاية Snatch ببساطة.

 

وهو الفيلم الأول الذي أشاهده لـ”ريتشي” وعلى الرغم أنني رأيت فيه أسلوبًا في التصوير ونقل المشاهد يشبه ما رأيت في “Requiem for a dream” وهو عبارة عن مشاهد سريعة، قطعات على كادرات قريبة لا يستغرق الكادر الواحد منهم أكثر من ثانية واحدة ينقل به “ريتشي” المشاهد من مكان لآخر ومن وضع إلى وضع، إلا أنني رأيت هذا الأسلوب في Snatch ملائمًا أكثر، والحقيقة أنني أصبت بمتلازمة ما بعد الفيلم، وهي حالة مشهورة يصاب بها المشاهدون بعد فيلم متميز يجعلهم يعيشون في إيقاع وحركة أشبه بالتي عاشوها في الفيلم، والحق أن “ريتشي” استطاع أن يصنع تلك الحالة في مشاهدات لمختلف أفلامه.

8

 

بعد عامين أو ثلاثة قررت أن أشاهد فيلمًا عرفت أن كاتبه ومخرجه هو “ريتشي” وكان بعنوان “Rock n Rolla”، لم أنتبه إلا حين انتهى الفيلم!! ماهذا؟ استطاع “ريتشي” مرة أخرى بحكاية مشابهة جذب الأنظار وشد الانتباه في حركات خاطفة، عصابات لكن مختلفة، اللكنة الإنجليزية في التهديد والوعيد، المؤامرات المتبادلة للبحث عن شيء مجهول والحصول عليه، نفس الحكاية تمامًا.

 

وأخيراً قررت بعد مكابدة أن أشاهد فيلما قديمًا لنفس المخرج يسمى “Lock, Stock and two smoking burrels”، لم أكن متشجعًا لرؤية فيلم قديم، حتى أبعاد صورته لم تكن معتادة وألوانه قاتمة، لكن قررت أن أخوض المغامرة، ويا للعجب عصابات مرة أخرى، هواة ومحترفين، السخرية اللاذعة المعتادة أثناء السرقة، اقتناء أغراض قيمة ونفيسة دون أن تعرف أنها كذلك، سخرية فوق سخرية.

11

 

حينها تشكلت الخريطة بذهني بشكل أوضح، “ريتشي” هو رجل العصابات الأبرز في هوليوود، العصابات العفوية وليست المافيا والجرائم المنظمة التي يمثلها “مارتن سكورسيزي” ولا تلك التي تظهر في ثلاثية “ألأب الروحي”، وإنما “ريتشي” يقدم مجموعة مختلفة من العصابات الإنجليزية الحديثة الساخرة، التي تعتمد على “الخطف”، وتطورت صورته وحبكة العصابات لتبلغ ذروتها في Snatch ثم تطورت القصة والصورة معًا في Rock n Rolla، نجد أن الثلاثة أفلام السابق ذكرهم لريتشي هي قصته وإخراجه وأستطيع أن أقول بكل ثقة أن النكهة الموحدة فيهم سببها الرئيسي الوحيد هو كاتب القصة، ربما يظهر ذلك جليًا في الاختلاف التام بينهم وبين ما تلا من أفلام أخرجها ريتشي.

 

2)
لن تصدق .. “ريتشي يخرج شيرلوك”!
الخبر كان جيدًا بالتأكيد، ريتشي له وجهة نظر إخراجية متميزة، لكن القصة ليست قصته، وعالم شيرلوك له بالفعل معجبون كثر حول العالم، والمقارنة سوف تنعقد حتمًا. الغريب أن ريتشي خرج تماما من عباءته المعتادة ليصنع سلسلة جديدة تحتوي على أساليب بصرية وحكاياتية لم يسبق له التطرق لها، وصنع جزءًا من شيرلوك هولمز بالتعاون مع المجانين “روبرت داوني جونيور” و”جود لو”، تعاونت جهات مجنونة عدة ليخرج الفيلم على هذا القدر من الحماس، ولم يكن تخلي “ريتشي” عن أسلوبه المعتاد في التصوير والسرد والقطع سببًا في سلبه السمة الأهم والأكثر جذبًا في أفلامه وهي “الخطف”.

 

3)
الأعماق النفسية لـ”تشارلي كوفمان”
تشارلي كوفمان هو كاتب القصة الأكثر توغلًا في أعماق النفوس، ربما يسبقه كتاب روائيون آخرون في هذا الصدد لكنه الأبرز في جذب هذا المجال على الشاشة الكبيرة، كوفمان هو ذلك الرجل المتردد، هكذا تشعر حين تشاهد أفلامًا كتبها، يتردد بشكل طبيعي كما النفس البشرية، شاهدت أول مرة فيلمًا له Adaptation، توقعت أن يكون المعنى الذي يقصده كوفمان هو المعنى الحرفي للكلمة المعتادة، التكيّف.

9

 

وكنت قد قرأت من ذي قبل كتاب معلم السيناريو “سيد فيلد” وفيه فصل بعنوان Adaptation بمعنى الاقتباس للسينما، لم يجل بخاطري هذا الأمر، المشهد الأول لموقع تصوير فيلم أعرف اسمه لكني لم أكن شاهدته حتى ذلك الوقت وهو being John Malcovic وهو لنفس الكاتب، حيث يقوم البطل في فيلم Adaptation بتجسيد دور “تشارلي كوفمان” كاتب الفيلم الذي نشاهده، وهو يمر بأزمة فتور الكاتب.

 

في هذا الفيلم ابتكر كوفمان لبطله كوفمان شقيقًا توأمًا قادرًا دومًا على إنتاج أفكار وإنجاز سيناريوهات بينما بطله الأساسي كوفمان لا يستطيع حتى تأتيه فرصة اقتباس من كتاب لصنع سيناريو، وهو ما يسمى Adaptation. بعيدًا عن قصة وتفاصيل الفيلم، الذي يحكي باختصار قصة كتابته.

 

أعرف أن الأمر مزعج ومشتت بالنسبة للقارئ لكنها الحقيقة، الفيلم في الأساس يتحدث عن الإحباط، وتوابعه، وعدم القدرة على الإنتاج بسبب الفتور، وما يصاحبها من تشتت وتردد وجري وراء أحلام، وسراب، حتى يتم الاصطدام بالواقع الذي قد يزيد الأمر تعقيدًا ويؤدي إلى دائرة جديدة من الإحباط!!

 

ولأنني رأيت في أول مشهد في Adaptation مشهدًا من فيلم Being John Malcovic قررت أن أشاهده، لم يقل الفيلم توغلًا في النفس وأعماقها عن سابقه، فهو كما يعني عنوانه تمامًا، “أن تكون جون مالكوفيتش”، ويجيب في الفيلم عن سؤال نفسي غاية في الأهمية، ماذا لو استطعت الدخول في رأس شخص آخر، والفيلم يدور حول مكتب غامض في عمارة كبيرة يقع بين طابقين رئيسيين بداخل هذا المكتب بوابة تفتح على رأس الممثل “جون مالكوفيتش” مباشرة! هذا الفيلم هو الآخر امتداد لعمق نفسي آخر، يستمر فيه كوفمان المتردد بطرح سؤال نفسي والإجابة عليه من خلال الفيلم.

 

ثم يأتي الأروع في رأيي، Eternal sunshine of spotless mind، وهنا يطرح كوفمان سؤاله النفسي الجديد، ماذا لو تمكن شخص من محو ذكرياته عن شخص ما؟ ويصنع لنا الفيلم ليخبرنا بإجابة هذا السؤال، نتعمق داخل نفس البطل، لماذا يريد أن ينسى حبيبته كلامنتاين؟ كيف يرى الانسان ذكرياته؟ الذكريات المشوّشة؟ كيف ينسى؟ هل يمكن أن ننسى شخصًا أحببناه وعشنا معه؟

10

 

وبهذا الفيلم تكتمل ثلاثية نفسية فريدة يستعرض فيها كوفمان قدراته القصصية المبنية على التوغل في النفس البشرية بطريقة سرد رائعة لم يسبق لها مثيل.

 

4)
كوفمان المخرج
كنت بنفس الحماس حين قررت أن أشاهد الفيلم الذي كتبه وأخرجه كوفمان Synecdoche, New York لكنني للأسف الشديد لم أصمد، الفيلم استغرق في ممرات نفسية متداخلة شديدة الصعوبة حقًا، بطل الفيلم يعمل ممثلًا ويقوم بتمثيل دور في فيلم، ودوره في الفيلم أنه ممثل يقوم بالتمثيل في فيلم آخر، وبين هذه القصص المتداخلة غير المفهومة، تظهر لنا اختلافات شديدة لنفس الشخصية في عدة مواقف وفي عدة حيوات، أكذب إن قلت أنني فهمت الفيلم، فكوفمان في أفلامه الثلاثة السابقة كان يعاونه مخرجون ذوو وجهات نظر تخفف من حدة الأبعاد النفسية للسيناريو لتجعلها مقبولة قابلة للمشاهدة، أما في Syncdoche استفرد كوفمان بالقصة والإخراج فكانت قطعة نفسية شديدة الصعوبة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفلام, سينما, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد