تُقلقهم فكرة الاستقرار، ويُؤرِّقهم كلّ ما يُلزمهم بالمكوث في مكانٍ واحد. رُحَّلٌ على الدوام، والأرض – كلَّ الأرض، بيتهم الكبير، وما عليها ملكٌ لهم، يلتقطونه ويمشون، لذلك فإن حقائبهم محزومةً على الدوام، والخيمة يمكن أن تُضرَبَ أوتادها، في أيِّ مكان.

مئات السنين من تبدُّلِ الأمكنة وتعدُّد البلدان وتغيُّر الحال، مئات السنين من تجوالٍ لم ينقطع ومعاناةٍ تتفاقم وحياةٍ في الدَّرك الأسفل من الهامش. لهذا، قال الغجري الكثير من الشِّعر، في محاولةٍ لمواساة نفسه ورثاء حياته التي فقدها مبكِّرًا، فلم يكن هناك ما يستعين به مع كمانه ودفوفه غير الشِّعر الذي قاله وتغنّى به أنّى حلَّ وارتحل.

في تَتَبُّعِ أثرهم الأول، والعودة إلى الخطوة الأولى لهم، حيث كانوا يُقيمون آمنين كأيِّ شعبٍ آخر على وجه الأرض، دلّنا الأثر العلمي واللغوي إلى الهند، فأصلهم من هناك أولًا، وهذا ما يؤخذ بالحسبان كدليلٍ يمكن اعتماده. غير هذا، نسبوهم إلى مصر، وبلاد الرافدين، وإثيوبيا، وهذا من فعائل الباحثين الذين صدَّقوا بالأساطير التي فسَّرت وجودهم الأول، إذ نسبوهم إلى هابيل، ولأنَّ هابيل قتل أخاه قابيل، كان عليهم أن يتحمَّلوا وزر تلك الخطيئة وتصاحبهم لعنة ذلك الفعل إلى الأبد، فتشرَّدوا في الأرض، لكنَّهم لم ينجوا من الأساطير التي فسَّرت وجودهم، بل تعمَّقوا بها وآمنوا بكثيرٍ منها وتداخلت في إيمانهم ومعتقداتهم.

قيل بفرضيَّةٍ عُدَّت من أكثر الفرضياتِ صحةً ومعقولية في تفسيرها لهجرة الغجر وترحالهم الطويل، ذلك أن الانكسارات السكانيّة التي حدثت في المناطق المحيطة ببلاد فارس، وتركستان مطلع القرن الثامن الميلادي، حيث تقيم هذه القبائل، وتنتشر، وموجات الغزو المستمرة التي ضاعفت انقسامات القبائل القاطنة شمال الهند، أثَّرت بقوةٍ في وجودهم، ولأنَّهم عاجزون عن الرد والمقاومة، ودفع التغيُّرات والأخطار التي تحيط بهم، نزحوا، فكان نزوحًا أبديًّا لا نهاية له.

يُطلق عليهم تسميات مختلفة في كلِّ بلد، الشائعة هي تسمية «الغجر» والتي تُعدّ تسمية حديثة العهد نسبيًّا نظرًا لصعوبة جمع حرفي الغين والجيم في مفردةٍ عربيّة كما يرى جمال حيدر، فيما يرى الأب أنستاس ماري الكرملي أن أصل مفردة «الغجر» تركيّة، وأصلها «كوجر» وتعني الرُحَّل.

لم يكن النزوح الطويل للغجر عبر الأرض الشاسعة التي قطعوها وأقاموا فيها بشكلٍ مؤقَّتٍ قد مرَّ بصمت، بل كان صاخبًا بأشعارهم التي قالوها وحفظوها وتغنّوا بها، أشعارٌ عبَّرت عن مآسيهم وتغرّبهم وعذاباتهم، تجسَّدت فيها يومياتهم ومعتقداتهم وتفاخروا بما أقدموا عليه وفعلوه وعايشوه. ففي قصيدةٍ غجرَّيةٍ يعبِّر فيها الشاعر عن حاله في الترحال غير المنقطع، وعن الظلم الذي يرافق الغجري أينما حلّ، يقول:

ما زلت أتذكّر

جُلت العالم برفقة خيمتي

أبحث عن الحُبِّ والعاطفة

عن العدالة والسعادة

كبرت

ولم أجد الحبّ

ولم أسمع مفردة العدالة

إذن.. أين تكمن حقيقة الغجر.

لكن السؤال الأهم، ما هي مدى معرفة الغجر بالشعر كي يقولوه، وليكون بعد ذلك شاهدًا ومعَبِّرًا عن كلّ ما عاشوه وآمنو به! ربما لا معرفة لهم بالشعر تُشابه معرفة باقي البشر، لكنَّ الظروف العاصفة تُجبر الإنسان على أن يرثي نفسه وينعى واقعه ويبكي عليه ويعبِّرُ عمَّا يريد ويرغب ويطلب، وهذا واقع الغجري الذي قال الشعر، ليس من باب المعرفة الخالصة، بل من باب مواساة نفسه، وكذلك انتفاعًا بهِ فيما يقيمه من حفلاتِ طربٍ وغناء، إذ أنَّ هذه النصوص المرتجلة والنثرية تُقرأ في جلساتهم وتُتداول على ألسنتهم في يومياتهم وترحالهم.

لم تخل الأشعار مِمّا يشير إلى ما يتعلَّق بهم، كالخيمة، والحصان، والنهر، والعود، والجبل، والسرقة، والحب … وكلّ ما يمثِّل تفاصيل حياتهم ومعتقداتهم. ففي مقطعٍ شعريِّ يقول فيه الغجريّ:

أؤمن بأنَّ الغجر نبتوا من باطن الأرض

وبلون الأرض صُبغت أجسادهم.

لهذا، فهم يعتقدون بأنَّ الأرض وكلَّ ما عليها يمكن أن يكون من حصَّة الغجريّ، فهو ابن الأرض، ونبت منها، وبلونها تصبَّغ جسده لأنَّ أثره في كلِّ مكان، ونتيجة اعتقادهم هذا، فإن الغجر اتُهِموا بالسرقة لأنَّهم يأخذون كلَّ ما يصادفوه على الأرض بحجَّة أن ما عليها ملكٌ للخالق وللجميع، وهذا ما جعلهم يتعوَّدون على التقاط كلِّ شيءٍ يمكن تناوله أو الاستفادة منه.

ونجد أن الحيوان الأكثر حضورًا في أشعارهم هو الحصان، فهو الحيوان المرافق لهم في رحلاتهم وتجارتهم، وهم مولعون به حدّ التقديس، وقد قيل إنَّ الغجري من دون حصانٍ ليس بغجري، ويعتبر الغجري أن خبرته في الخيل من أنبل المهن التي يفخر بها أمام جماعته:

بعيدًا سافرت

لم أسق حصاني ماءً

متعبٌ يكاد يموت تحت سرجه.

أناغيه مثل طفل، وأقول له أنّي أحبه

يميل برأسه، ويتطلَّع إليَّ

بعينين مثل عيني أمي

العيون الطيّبة تستطيع أن تكون جدّ حزينة.

في قصيدةٍ أخرى، يغامر الغجري في سرقة الحصان، لأنَّ عنده السرقة فعلٌ مباح، ولأنَّ الحصان ذي أهميةٍ بالغة في حياته، ويرتبط فعل السرقة بالسرعة والخفَّة، ويعبر عنه ببهجةٍ عارمة:

مرحى يا إلهي، ما هذا الذي فعلناه؟

سرقنا خيولًا

ربطناها بالعربات

وهربنا بها بعيدًا.. بعيدًا.

يلاحظ في الأشعار أن قيمتها لا في شعريَّتها، إذ إنها لا تتجاوز الكلام العادي أحيانًا، لكنَّ قيمتها الحقيقة أنها تعبَّر عن موقفٍ يعيشه الغجري، ويعبِّر عنه بكلِّ صدق وبلا توريةً أو رموز، فهو بالمباشر ينطلق في قصيدته كاشفًا عمّا في داخله ببساطةٍ واضحة.

لا بدَّ للغجري أن يلتفت إلى نفسه، ويبحث في أعماقه عن هويَّتهِ الحقيقيَّة، فهو من دون الأقوام الأخرى يعيش على الهامش، ويمارس أعماله على الهامش، ويتكاثر ويموت على الهامش، ونتيجةً للمعاملة السيئِّة التي عُومل بها أينما حلّ، ظلَّ يخاف الرقيب ويتجنَّبه. ويبدو أن البحث عن الهوية والخوف من الرقيب كان واضحًا وملازمًا له في كلِّ ما قاله:

أسرع أيُّها الأخ، أسرع

لنتجنَّب المدينة

وإلّا امسكوا بنا عند الجسر.

على الجسر يقف السّادة الكبار

رجال الضرائب

إنَّهم يطالبونني بهويَّةٍ

ولكن لا أملك هويَّةٍ ولا وثيقة.

رافق الموت الغجر على طول ترحالهم، ولكنَّ المأساة الأكبر هي أنَّهم تعرَّضوا لإباداتٍ جماعيَّةٍ مثلما تعرَّض لها الكثير بسبب الحروب، ولكنّ الغجر كان لهم النصيب الأوفر لأنَّهم لا يملكون ما يدافعون به عن أنفسهم غير الحيلة، والخداع، ولعلَّهم بهذه الصفات عاشوا حياتهم كلِّها من دون أن يقاتلوا أحد. ففي ألمانيا وحدها مثلًا قضى أكثر من 20 ألف غجري على يد النازيّة، إذ تم إيداعهم في أفران الغاز وقتلهم، فيما زاد عدد الذين قتلوا رميًا بالرَّصاص من قبل الشرطة السريَّة الألمانيّة عن 4000 غجري. وبعضهم دفنوا أحياء. وقد امتدت سياسة القتل تجاه الغجر من قبل النازيّة إلى كل المدن التي احتلوها، حيث كان الغجر أول من يتعرض للقتل بحجة أنهم جواسيس، وقد وصل عدد الغجر الذين تم قتلهم في الأراضي السوفياتية التي احتلتها ألمانيا 250 ألف تقريبًا.

لهذا يقول الشاعر الغجري:

الموت آتٍ

يا إلهي، لا تدعني أموت.

الموت أمام الباب

اختبئُ تحت السرير

يا إلهي لا تتركني أموت شابًا

الموت على العتبة

أمنيات لم تتحقَّق

موتٌ أسود، ليلٌ أبيض

فقط الموت الأسود

يا إلهي، لا تدعني أموت

فهناك أمنيات كثيرة لم تتحقق بعد.

في حين أن الكثير من الغجر الذين مرّوا بالبلدان الأوربيّة، وأقاموا فيها، استُعبدوا من قبل السلطات، وسُجنوا بتهمٍ كثيرة:

هب قدرتكَ أيُّها الرب

وسلّح الملائكة المجنَّحين والقديسين الملتحين

بالبرق وسيف اللهب

وهات المفتاح الذي يفتح كلَّ السّجون.

عشر سنوات مضت وأنا في السجن

ابعثْ بالشمس التي تُذيب قيود معصمي

أريد أن أعود إلى اطفالي

ابعث بجيش السماء

ماذا سيكلفك ذلك؟

وفي قصيدةٍ أخرى، يعبِّر الغجري عن حزنٍ عميقٍ قبل موته، فالذي عاش على هامش الوجود، لا أحد سيحزن عليه إذا مات:

لا أحد يستطيع مساعدتي

إن الموت آتٍ

من ذا الذي سيحزن على الغجري؟

ساحة بلا سياج

بيت دون سقفٍ وشبابيك

الغجري يموت

ولا يتألم اليوم الأبيض فوق الجبل

ولا شوارع العالم البيضاء

من سيبكيني إذن

ساحة بلا عيون

لا دار تفهم البكاء.

إن الوت آتٍ

لا أقوى على صدّه

لو اجتمع كل الغجر فلربما استطاعوا أن يرعبوا الموت الأسود

لو تجمعوا حولي

لكنّهم يهجرون إلى الطرقات

لا يهمهم أمري

إنهم هناك

يذهبون بعيدًا عني

وأنا أموت.

بعيدًا عن كلِّ ما يعانيه الغجر، فإن الحب كان حاضرًا فيهم دائمًا، والرباط الذي يربط الغجري بعشيقته الغجريَّة رباطًا مقدَّسًا نادرًا ما ينفك وينتهي. وإذا ما أُعجب الغجري بامرأةٍ غجريَّةٍ فإنه يخطفها ويذهب بها على حصانه بعيدًا عن مكان إقامة القبيلة، ثم يعود بعد ذلك بأيام لتجري مراسم الزواج، وهذه عادة عندهم:

صباح الخير أيَّتها الجميلة

من أجل شفتيك سأنسى اللغة

من أجل ساقيكِ أكون عبدًا

صباح الخير أيَّتها الجميلة

امتطي الحصان الأبيض

وانطلقي كالرمح

سأنتظرك في الغابة

في خيمةٍ لا أطفال فيها

مع بلبلٍ ووردةٍ

مع سريرٍ من جسدي

وبوسادةٍ من كتفي

صباح الخير أيَّتها الجميلة.

في حين أن الغجرية قالت شعرًا أيضًا، تغنَّت بمفاتن جسدها، وأغرت بما قالت الرجال، وربما ذلك أهم ما يعنيها:

تحت الشباك

تنمو لي ودرة

عليها أن تنمو

وعندما تنمو

سوف ينمو نهداي

تحت الثوب

عليهما أن ينموا

وعندما ينموان

سوف أقطف الوردة

وأضعهما بين نهدي

عليه أن يطلبها

وعندما يطلبها

سيفتح أزرار ثوبي.

هكذا تغنّى الغجر بهذه الأشعار في ترحالهم، وعبَّروا عن اغترابهم ومأساتهم التي واجهوها بالعزف والرقص والغناء. ولأنَّ الغجر يندر عندهم التدوين، فإن هذه الأشعار وصلت عبر ما تناقلته الألسن وحفظته الأسماع، وصرنا أمام تجربةٍ وشهادةٍ صوَّرت لنا حياة مُرهقة وممارساتٍ مجهولةٍ وحقائق يعلنها الغجري بأشعاره عن نفسه وما يعيشه، وصرنا أمامَ وثيقةٍ إنسانيَّةٍ واضحة وناصعة، وثيقة الغجري الذي تحتَّم عليه أن يعيش هكذا … وإلى الأبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد