قال الفضيل بن عياض: لا يقبل من العمل إلا أخلصه وأصوبه، قيل وما أخلصه وما أصوبه؟ قال أخلصه أن يكون لله، وأصوبه أن يكون موافقًا لسنة رسول الله، فإن كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا.

وتأصيل هذه القاعدة مفهوم من قوله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). الزمر : 65. كما من حديث النبي صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي، وحديثه صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم، وقوله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، وعمدة أحاديث النية ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما الأعمال بالنيات، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرتها لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه، وحديث أول ثلاثة تسعر بهم النار مشهور معروف.

لذا كثيرًا ما كنا نتواصى فيما بيننا باستحضار نية لكل عمل، رغبة في الثواب، وخشية ضياع الأجر، ثم تعلمنا أن كل عمل، سواء عبادة ظاهرة أم عمل دنيوي بحت، تعلمنا أن النية تضفي عليه لون العبادة، فيصير عملًا مأجورًا مثابًا عليه، وما أدل على ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة.

كنا بناء على هذا الفهم، نجتهد في استحضار نية لكل حركة وسكنة، وكنا نحيي في أنفسنا معنى قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163). الأنعام : 162-163. ويذكر أحدنا الآخر كل حين باستحضار وتجديد النية، بل وتعدد النيات رجاء مزيد من الأجر على كل عمل. فكنا دائمًا نعلم الطلاب كيف يحتسبون الدراسة وكل ما يتعلق بها عبادة باستحضار نية أداء فريضة العلم والفهم ونية خدمة الإسلام والمسلمين بهذا العلم، وكنا نذكر العمال والفلاحين والموظفين وغيرهم بأنهم بعملهم وكدهم وتعبهم يكفون أنفسهم وأبناءهم الحاجة وسؤال الناس، ويقفون على الثغور بخدمة أوطانهم واقتصاد بلادهم، ونذكر الناس عمومًا باستحضار النيات عند الأفراح والأتراح، والزيارات والجلسات، والإنفاق والصدقات، وكل عمل في اليوم والليلة، كبر العمل أم صغر، وكنا نستشهد بقول العلماء أن النية تحول العادة إلى عبادة إذا صحت العادة وصلح العمل.

ثم وإلى جانب استحضار النية وكنتيجة طبيعية لحضور القلب كان الخشوع، كنا نتمرن على الخشوع في الصلاة وحضور القلب في العبادات، بدءًا بسؤال الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ثم نستعين بوسائل أخرى، كل ذلك السعي كان بغية أن تكون العبادة لها حلاوة كحلاوة الإيمان، ولما كنا نتعرض لرحمة الله وكرمه في بعض الليالي بأن يرزقنا حلاوة في القلب أثناء العبادة، أو دموع الخشية والخشوع في ركيعات معدودات، أو طمأنينة وراحة بال وثقة في الله أثناء كرب أو محنة، أو ورعًا وزهدًا في مغنم، أو رضًا وصبرًا في مغرم، كنا في تلك الأوقات نستشعر فضل استحضار النية وعظمة مكافأة الله لنا بحلاوة ولذة في بعض عباداتنا، كلٌّ وما يرزقه الله ويمنُّ عليه به.

ثم جرت السنون، وطال العمر، وكان الأمل أن يكبر الخشوع مع كبر السن، وأن تزداد الحلاوة والطمأنينة الإيمانية بازدياد التجارب، لكن الواقع كان غير ذلك، لم؟ ربما لانشغال البال بمتغيرات الحياة الدنيا وتقلبات الزمان، ربما لضغوط العمل ومشاكل الأهل والولد، ربما لتسارع الأحداث وتصارعها، ربما لهموم وغموم خيمت على الجميع بعدم استقرار البلاد طولًا وعرضًا، ربما لتآكل الأجساد وشيبها من هول مصائب الدهر في الأوطان وحتى في الغربة عنها، أو ربما كما قال قائل بأن القيامة فعلًا قد قامت ونحن الآن نحاسب ونعذب في انتظار القول الفصل بالجنة أبدًا أو النار خلدًا، نعوذ بالله من حال أهل النار.

ننظر حولنا، ربما يردعنا عن الانشغال بالدنيا رادع من رؤيا خاشع، أو مخالطة متدبر، أو مجالسة ورع، أو صحبة زاهد، أو غير ذلك، فيزداد همنا همًا، فكل ما حولنا ومن حولنا في تيه من هذه الدنيا، إلا من رحم ربنا من مثل هنا ومثل هناك لا غير. صار الوضع معكوسًا، صارت العبادات عادات، تؤدى بنمطية ورتابة، كأن مؤديها يقول أرحنا منها يا بلال، تصلى الركعات والأعين تعلو وتهبط وتروح يمنة ويسرة، تقضى الصلوات والأطراف في حركة كأنها تستعجل الإمام أن يسلم، تعطى الصدقات بلا بسمة في وجه الفقير والمسكين، تتلى الآيات حدرًا كأنما القارئ في سباق مع الزمن، يطاف حول البيت بينما الجوالات تصور سيلفي وترسل فورًا للآخرين لتوثيق تمام العبادة وربما تصوير الخشوع والإخلاص، يوقف بعرفة وأطراف الحديث بين الحجاج عن المباريات وآخر المستجدات الفنية أو السياسية، تعقد حلق القرآن حول الشيشة يتبادلها القارئون طوال السهرة.

ليس هذا في كل مكان ولا يشمل الجميع طبعًا، لكنه منتشر واسع الانتشار بشكل يدمي القلب، لو كان يحدث في بعض الأماكن لحق لنا أن ننتفض غاضبين داعين للتغيير، فما البال وكل هذا وأكثر يعم قطاعات واسعة من مجتمعاتنا؟ نحن في حاجة إلى وقفة جادة، نراجع فيها مكاننا من العبادة ومكان العبادة في حياتنا، ما أحوجنا اليوم، فرادى وجماعات، إلى بث روح الحياة في القلوب من جديد، إلى استنهاض الهمم ليقظة القلوب أثناء العبادة بألوانها، إلى استنفار عام لمراجعة إقامة الصلاة لا مجرد أداءها، وإيتاء الزكاة لا مجرد دفعها، وصوم رمضان لا مجرد الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، وحج البيت لا مجرد مناسك خاوية، وقبل كل ذلك، إلى يقين وإيمان وتصديق وتعايش بالشهادتين لا مجرد النطق بهما لسانًا لا وجدانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد