لم تكن قصة هاتشي الكلب الوفي الذي ظل ينتظر صاحبه، بعد مماته بسنوات، في المكان نفسه الذي اعتاد على انتظاره فيه عندما كان حيًّا، القصة الأولى التي يبعث فيها الله -سبحانه وتعالى- مخلوقًا غير مكلّف من مخلوقاته ليعلّم خلقه المكلّفين كيف يعيشون بعضهم مع بعض، فقبلها بقرون طويلة كانت قصة ابن آدم قابيل مع الغراب الذي بعثه الله ليعلّمه كيف يواري سوأة أخيه في التراب، بعد ارتكاب جريمته الشنيعة في حقّ ابن أمه وأبيه.

مهلًا، هل تقول إن الله بعث الكلب هاتشي ليعلّم الناس؟ هل يبعث الله رسائل إلى الناس عبر مخلوقاته لتعلّمهم وترشدهم، مؤمنين كانوا أو غير مؤمنين؟ نعم، لقد حدث ذلك بالفعل في قصة ابني آدم قابيل وهابيل التي خلّدها القرآن الكريم، فقابيل قاتل أخيه، وأول من ارتكب جريمة القتل في هذه الأرض، كان من الخاسرين مثلما قال عنه القرآن.

ومع ذلك بعث الله له غرابًا ليريه كيف يواري سوأة أخيه، ولا يتركه في العراء بعد جريمته النكراء، يقول الله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)» (المائدة).

ولم يكن المكان الذي نزلت به هذه البعثة الربّانية مكانًا مقدّسًا، لقد كان مكان ارتكاب جريمة القتل الأولى في التاريخ، أو في أحسن الأحوال لقد كان مكانًا ما من الأرض وكفى، وكذلك كان مكان حدوث قصة الكلب هاتشي الذي أصبح رمزًا للوفاء، إنها قصة رسالة ربّانية، ولا يمنعها مكان حدوثها الذي لم يكن مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس من أن تكون كذلك، ومثلما بعث الله –سبحانه وتعالى- ذلك الغراب إلى ابن آدم قابيل في مكان ما من الأرض، بعث الكلب هاتشي إلى بني آدم اللاحقين في مكان ما من الأرض، كان هذه المرة في اليابان.

قصة الكلب هاتشي التي تحوّلت إلى رواية، وفيلم سينمائي في أكثر من مناسبة تحكي عن وفاء كلب لصاحبه الأستاذ في قسم الزراعة بجامعة طوكيو آنذاك، والذي كان يصطحبه معه كل صباح إلى غاية محطة القطار في شيبويا، ليركب هناك إلى عمله في الجامعة ثم يعود إليه في المساء ليجده في انتظاره بالمكان نفسه، إلى أن توفي البروفيسور في ذلك اليوم الذي استودع فيه كلبه قبالة محطة القطار للمرة الأخيرة بعد أن أصابته سكتة قلبية في مكان عمله، وبقي هاتشي ينتظر في محطة القطار الشهيرة في قلب العاصمة اليابانية كالعادة، لكن انتظاره هذه المرة استمرّ تسع سنوات لم يقطعها إلا موت الكلب الوفي.

تعلّمنا هذه القصة أشياء كثيرة نحن معشر بني آدم، تعلّمنا الحبّ والوفاء، والثبات، وأشياء أخرى، فالكلب هاتشي كان متعلّقًا بصاحبه من دون غيره من البشر، ولم يكن يذهب إلى محطة القطار وينتظر هناك إلا من أجل صاحبه الأستاذ «سابورو» بعينه، وعندما غاب سابورو عنه لم يبتعد هاتشي عن المكان الذي طالما انتظره فيه.

فيا ويلتا! أيعجز الإنسان أن يحبّ أخاه الإنسان مثل حبّ هذا الكلب لصاحبه حاضرًا وغائبًا وفي كل الظروف؟! أيعجز الإنسان عن أن يكون صديقًا مخلصًا، وزوجًا وفيًّا، وابنًا بارًّا، ووالدًا رحيمًا، وحاكمًا عادلًا محبًّا لرعيته، ومواطنًا صحيح المواطنة محبًّا لبلده ولأبنائه، يقف ثابتًا في كل مكان ينفع وقوفه فيه بلده وأهل بلده مثل وقوف هاتشي كل تلك السنوات في انتظار صاحبه؟! يا ويلتا! أيعجز الإنسان عن الثبات على قضية يؤمن بها مثل ثبات الكلب هاتشي في محطة انتظاره لصاحبه الفقيد؟! أيعجز عن الصبر على دراسة، أو عمل، أو مشروع، أو حلم في الحياة، أو موقف مساند لقضية عادلة، مثل صبر هاتشي كل تلك السنوات من أجل عودة صاحب لن يعود! أيعجز الإنسان عن انتظار محبوب يمكن أن يلتقيه يومًا ما مثلما انتظر هاتشي إلى آخر أنفاسه صاحبًا ذهب بلا رجعة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد