كغيره كان ينتظر كسر صوم أربعين سنة عن الكلام فانطلق بعد ما كان أستاذًا جامعيًّا، ليترك عمله ويلتحق بصفوف الثورة، تلك الأيام التي غيرت وجه «سوريا الأسد»، تلك اللحظات التي لم يتوقعها نظام الإجرام أبدًا حتى في الحلم، ولكنها حصلت ولم تكن حلمًا ولا هذيانًا، سوريا بدأت تنتفض وتصرخ بملء صوتها للحرية.

كتاب جديد صدر حديثًا بعنوان: «حالات حرجة من يومياتي في الثورة السورية 2011- 2019» للصحافي السوري هادي العبد الله، والذي واكب أحداث الثورة السورية منذ بدايتها ووثق وشهد أهم أحداثها، يروي ما علِق من بقايا ذاكرته المتعبة.

معدله الدراسي لم يسمح له بدخول الطب، ولم يجد خيارًا أفضل من التمريض، ولتفوقه سافر إلى مصر في بعثة دراسية، بعد تخرجه جاء طلب تدريسه في جامعة البعث في مدينة حمص بكلية التمريض الموجودة في مدينة حماة، ثم قرر استكمال دراسات عليا باسم «حالات حرجة»، ومنها جاءت تسمية الكتاب.

كانت البداية من خلال مداخلات بصفته شاهد عيان في قناة أورينت الإخبارية، ينقل أخبار المظاهرات، وبعدها بفترة المعارك والمجازر التي يقوم بها النظام، يصف البداية: «كيف لي أن أسكت، وبركانُ الثورة قابعٌ فيّ؟».

أُجبر على تغيير اسمه وصوته لأكثر من مرة، كانت البداية باسم عبد الرحمن، فسمير فتحي، ثم هادي العبد الله. عندما بدأت مليشيا حزب الله مساندة النظام الذي كاد أن يفقد كامل سيطرته على مدينة حمص، استطاع هادي ورفاقه أن يسحبوا جثة أحد مقاتلي الحزب، وبعدها عُرض عليه «شيك مفتوح» لعدم فضح مشاركة الحزب، فأبى ونشر اسم المقاتل إلى الإعلام، مما اضطر حسن نصر الله إلى الظهور إعلاميًّا ليقر بوجود الحزب في سوريا رسميًّا.

بعد حصار مدينة القصير مسقط رأسه، يصف ليلة التهجير، مدينة بأكملها تزحفُ خارجَ جِلدِها، ثمّ تجوع وتعطش على أطرافها ككحّة حنين. كاد أن يفقد روحه أكثر من مرة لكنها طفئت لمرات عدة، وكان أقساها في البداية لطالما كان طعم البدايات مختلفًا، عندما فقد صديقه الذي يعده روحًا يحملها بجانب روحه، طراد الزّهوري، الذي تعرف إليه في إحدى المظاهرات.

ويجيب هادي عن سؤال إشكالي غاية في الأهمية هو: «يسألون دائمًا ما سر استمراركم في ثورتكم على الرغم من كمّ المجازر والإجرام؟» يجيب باختصار: «ربما هي أسباب كثيرة تلتقي عند نقطة واحدة، الوفاء للدم».

وبطريق عودتهم إلى منزلهم، كعادته هادي يسبق خالد العيسى لكي لا يصيبه مكروه، فيحدث انفجار ويصاب هادي ويستشهد خالد، فيعاهد نفسه: «بكون خاين إذا تركت الطريق اللي مشينا سوا».

هذا هو قدر الأبطال دائمًا في ثوراتنا، أن يغتالَهم الأنذال! واصفًا اغتيال رفيقيّ دربه رائد الفارس وحمود، اللذين أقنعاه بفكرة الزواج فتزوج رفاه، وأنجبت له بيسان.

الفقد حل بكل عائلة سورية، فالمعاناة واحدة يضيف: «لذلك أعيش الآن على الخوف من الفقد، أناجي الله في جوف الليل كأنّني أهذي، يكفي أن تنطفئ عيناي بالفراق مرّتين، لا تُطفئ يا الله بالفقْد بعدُ قلبي».

حكاية هادي ومعاناته التي لم تنته هي واحدة من حكايات الشعب السوري الجريح الذي نكّل به نظام الأسد، واستخدم كل أساليب القمع والقتل ليخمد ثورته.

احفظوا حكايا المظلومين، حكايا الشهداء، وثِّقوا ثوراتكم، الإخفاقات والنجاحات، الأبطال والخونة، صعِّبوا عليهم تزوير التاريخ، أغرِقوهم بالحقائق، دعوا أولادكم وأحفادكم يردِّدون حكاياتكم، لا تستصغِروا فعلَكم، لا تحتقروا معروف وثيقة، وكما يمكن أن ينجينا من النار شق تمرة، يمكن أن ينجينا شق عدسة، وشق كلمة. هي إحدى وصايا أسعد طه، فلنعمل بها.

الثورة السورية تُقبل على عامها التاسع بعد أن خذلها وخانها وتآمر عليها القريب والبعيد، يتوهم من يظن أنها هُزمت، إنَّا نرى النصر قريبّا ولو بعد حين، إنه ممكن، وإنه سيكون، لأنه قد كان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا, كُتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد