صغيرٌ حجمها عظيمٌ صمودها، كسرت قواعد اللعبة وحاربت بعنفوان لم تعرفه كبرى مدن العراق، فعندما تسمع بعروس الفرات وعراقة التاريخ وجمال الطبيعة وتنوع التضاريس وكثرة المغارات وسواقي النواعير, فقل هذه مدينة حديثة التي كسرت شموخ قوات المارينز طيلة الاحتلال الأمريكي حتى أصبح اسمها يتصدر عناوين الصحف العالمية والعربية والمحلية، وتقاوم الآن ببسالة, ومنذ أكثر من عامين, أعتى قوة مسلحة وخارجة عن القانون في العالم, وهو تنظيم داعش, حتى عجز هذا التنظيم من اختراقها وتدنيس أرضها بسبب تماسك أهلها، في الوقت الذي اخترق فيه التنظيم حصون باريس! كما وتُعرف مدينة حديثة بتمسكها بالطابع القبلي, وتتميز المدينة بقوة علاقات المصاهرة بين عشائرها وتقديس العادات والتقاليد فيها.

تعد مدينة حديثة رقما صعبا في المعادلة العسكرية العراقية بالنظر إلى موقعها الإستراتيجي وقربها من قاعدة عين الأسد الجوية العسكرية بمحافظة الأنبار.

مدينة حديثة التي تتميز عن غيرها من المدن الصغيرة أنها ترتبط بطرق برية مباشرة مع كل من: سوريا والأردن والسعودية، شنّ تنظيم داعش عليها عشرات الهجمات، استخدم فيها العجلات المفخخة والانتحاريين, والمئات من عناصره لاقتحامها دون جدوى، بل تكبد التنظيم خسائر مادية وبشرية كبيرة جدا، بعد صمود أهالي المدينة واستبسالهم في الدفاع عنها.

مدينة حديثة بالأرقام تبعد مدينة حديثة140كم غرب مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار, والتي تعتبر ثلث العراق من ناحية المساحة الكلية، وتبعد 260 كم غرب العاصمة بغداد.

حيث بلغ عدد الهجمات الكبيرة التي شنها التنظيم على مدينة حديثة 90 هجوم عنيف جدا، وأكثر من 200 تعرض على المدينة، إضافة إلى أكثر من 800 صاروخ استهدف المدينة. تحتضن المدينة 11 ألف وحدة سكنية و142 مدرسة ابتدائية وثانوية, كما ويوجد فيها 4 مراكز شرطة, ومديرية عامة, ومستشفى عام واحد, و35 معلما أثريا تعود لأكثر من 3000 سنة قبل الميلاد، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 100 ألف نسمة، 48% بالغين ذكور و52% أطفال ونساء.

ضحايا مدينة حديثة خلال فترة صمودهم أمام تنظيم داعش 275 ضحية من مقاتلي العشائر والقوات الأمنية، و1120 جريحا أما التشكيلات المدافعة عن مدينة حديثة فهي تتكون بالدرجة الأساس من مقاتلي أبناء العشائر, ومن ثم القوات الأمنية الحكومية.

يبلغ عدد مقاتلي العشائر المسجلين رسميا لدى الحكومة العراقية حوالي 1500 مقاتل, وغير المسجلين من أبناء العشائر لدى الحكومة 3000 مقاتل, غالبيتهم من عشائر “الجغايفة والبونمر والبومحل والبوعبيد وعشائر الدليم والسادة النعيم” أما بشأن المساعدات وأزمة نقص الغذاء بسبب الحصار الخانق الذي تفرضه داعش على مدينة حديثة, فقد تحتاج المدينة إلى أكثر من 5000 طن من المواد الغذائية لحل أزمة نقص الغذاء الذي تعاني المدينة منها، في حين وصلت من الحكومة العراقية والمنظمات الإنسانية بما فيها الأمم المتحدة أقل من 500 طن فقط! منذ حصار المدينة قبل أكثر من عامين لغاية الآن.

هذه مدن يجب أن لا يتجاهلها الإعلام, ويجب إعطاؤها حقها من قبل المنظمات الإنسانية والحكومة العراقية، في الوقت الذي يرى أهالي المدينة أن أصحاب القرار في العراق صامتين قولا وفعلا تجاه صمودهم، واصفيهم أنهم فقراء الكلام، قليلي الحيلة، عديمي الشهامة، وبالتأكيد أن من تنطبق بحقهم كل هذه الأوصاف, أنهم غرباء عن الحق.

مدينة كهذه كان يجب أن يُنتصر لها ويُفخر بها, كونها ورغم إمكانياتها المحدودة أوقفت داعش راكعة ,أمام حدودها. لن يرحم التاريخ أناسا خذلوا هذه المدينة وأشبعوا أهلها جوعًا، ومن خذلهم لن يستطيع رشوة التاريخ ليمحو العار عنه، أما عن مدينة حديثة فقد حفرت موقفها على جبين التاريخ، ستسطع كشمس حزيران من جديد, وستبقى في ذاكرة العراق، عروسة العذراء التي لم يدنس شرفها أحد على مر التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد