قبل أن نبدأ قراءة هذا الكتاب وتقديمه للقارئ الكريم، لا بد لنا من إعطاء نبذة مختصرة وموجزة ما أمكن لنا الإيجاز عن مؤلف الكتاب الباحث والمفكر الأستاذ سالم فرج مفلح.

فهو من مواليد الديس الشرقية – حضرموت – اليمن- 1948م، المؤهل الدراسي دبلوم في اللغة العربية وآدابها – كلية التربية – المكلا –جامعة عدن – له مساهمات ثقافية في العديد من المنتديات الثقافية والصحافة، مؤسس منتدى وادي عمر الثقافي الاجتماعي بالديس الشرقية – حضرموت.

وقبل الدخول في تفاصيل المادة التاريخية وإعطاء صورة مبسطة للقارئ عما نرى أنه أهم ما تضمنه الكتاب من موضوعات خطيرة تعرض لها المؤلف بالشرح والتحليل تُمثل في محتواها جزءًا مهمًّا من تاريخ الأمة العربية – تاريخ حضرموت السياسي والمذهبي الوسيط – وما تعرض له من طمس وتشويه.

علينا أن نتعرف إلى الأسباب والدوافع التي جعلت الأستاذ مفلح يقتحم هذا التابو الذي تجنب اقتحامه الكثيرون من الباحثين في التاريخ الحضرمي، ولَم يقتربوا منه لمجرد الاقتراب فكيف لهم أن يقوموا بالمساس به وهتك أستار قداستة المزعومة.

لقد كان عليه أولًا وقبل أن يتعرض له بالنقد والتحليل أن يتعرف إلى كنه هذا (المُحرم) الذي يعد الاقتراب منه جريمة لا تغتفر في عرف سدنة الموروث ومن يمثلون الرؤية السائدة فكيف بمن يريد أن يخضعه لماديات العلم ومشارط الجراحة النقدية.

وهذا ما جعله يخوض غمار معركة هو الأجدر بخوضها وتعد من أصعب المعارك الثقافية وأشرسها في حقل الكتابة التاريخية الحضرمية.

لقد توفرت لدى هذا الباحث المتميز الجرأة والشجاعة للإمساك بزمام المبادرة في نقد السائد ونقضه والعمل على محاربة التخلف والجمود، مسخرًا كل طاقاته وإمكانياته العلمية لخدمة المجتمع وحمل قضاياه الوطنية لتحريره من هيمنة البلادة والتخلف والعمل على خلق وعي حقيقي لدى (النخبة) والجماهير والدفاع عن الهوية الوطنية وما تعرض له شعب بأكمله من استلاب ثقافي وعنف رمزي تمثل في تشويه وتزوير الحقائق التاريخية والقضاء على منظومة القيم والأخلاق العربية الأصيلة بعد أن هيمنت ثقافة الدروشة منذ بداية القرن العاشر الهجري.

فالقضية الأساسية لهذه الدراسة تكمن في إظهار الحقيقة التاريخة للمجتمع بكل تجلياتها وإشراقاتها وما تعرض له تاريخ حضرموت الإسلامي من تزوير وتحريف وطمس متعمد لحقائق التاريخ المشرق من قبل من أطلق عليهم المؤرخ الحداد (الأخلاف)، لا كما يعتقد البعض أنه مجرد كتاب تاريخي كغيره من الكتب التقليدية، والتي قد يتبنى فيها الكاتب بعض الآراء المخالفة لما هو سائد في بعض القضايا التاريخية. إذ إن الحقيقة ليس كذلك وليست كما يتصورها البعض وبخاصة الذين يمتهنون الكتابة التاريخية التقليدية.

من خلال إعادة تدوير ما يجدونه مكتوبًا في بُطُون الكتب والوثائق من نصوص ميته معدومة القيمة ظلت تكرر نفسها في كتاباتهم من دون أن تتعرض لأي نقد منهم أو تحليل.

فكتاب «حضرموت بين القرنين» يختلف اختلافًا كليًّا مادة ومنهجًا ولغة، ويحمل بين دفتيه مشروع رؤية تأسيسية لإعادة كتابة التاريخ الحضرمي بأسلوب علمي رصين.

وقد مثل الكتاب بمادته العلمية قطيعة معرفية مع الرؤية السائدة حسب مفهوم المؤلف كما بينه لنا في مشروع رؤيته من خلال نقده للموروث، وهذا لا يعني بالضرورة «القطيعة بمعناها اللغوي الدارج، وإنما تعني التخلي عن الفهم التراثي للتراث» حسب مفهوم المفكر محمد عابد الجابري، وعرض كل ما هو مكتوب عن تاريخ حضرموت المغيب والمستلب على نار النقد العلمي الموضوعي(التفكيك) لتصفيته وتطهيره مما علق به من أدران وخرافات وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان، والتخلص منها والعمل على إعادة بناء الهوية الوطنية وترميمها ومعالجة ما تعرضت له الشخصية الحضرمية من صدمات بسبب الاغتراب الثقافي والحضاري الذي أوقعته فيه الرؤية السائدة.

فالمؤلف يعد من القلة النادرة الذين يتمتعون بالخبرة والقدرة الفائقة على قراءة الأحداث التاريخية قراءة نقدية تحليلية مغايرة لكل القراءات التقليدية السائدة التي اعتدنا عليها إلى اليوم، لما يمتلك من منهجية وحس نقدي قل أن نجد له نظيرًا بين الكتاب والمؤرخين من أكاديميين وأساتذة حضارم. إضافة إلى ذلك فالرجل يحمل همًّا وطنيًّا ويمتلك الجرأة والشجاعة لمواجهة صلف وجبروت الجماعات المتعصبة من أنصار الرؤية السائدة، والذين يعتبرون المساس بالموروث والتعرض له بالنقد تعديًا على مكانتهم وما يدعونها من قداسة مزيفة لرموزهم التاريخية والتي بدونها ينتهي ما بقي لهم من هيمنة ونفوذ.

ولهذا فهم يَجرِّمون ويحاربون كل من ينتقد ويشكك في رؤيتهم فكيف بمن يتعرض لها بالنقد والنقض ليجعل منها أثرًا بعد عين.

وقد تعرض المؤلف لحملات دعائية تشويهية منظمة، إلا أنها لم تحد من عزيمته ونشاطه والتمسك برؤيته والدفاع عنها، وهذا ما جعله يبحر بفكره النير وما يمتلك من قدرات علمية عكس التيار الجارف، متصديًا لكل أمواج التخلف والهمجية الشرسة ليجعل منها حطامًا على سنان يراعه.

وتأتي أهمية هذه الدر اسة كونها تحمل في طياتها مشروع رؤية جديدة لا تربطها بالرؤية السائدة أي صلة مباشرة أو غير مباشرة بل تعد النقيض المباشر لها تمامًا.

وقد جاءت لتعيدنا إلى المسار التاريخي الصحيح.

ولَم يكن مفلح ومن سبقه من كتاب ومؤرخين أمثال باوزير وبامطرف والصبان إلا رسل التاريخ والهوية الوطنية المغيبة، وإن التاريخ الحضرمي هو الذي ينطقهم ويتكلم على لسانهم.

وتعد هذه الدراسة من وجهة نظري أول مرافعة في الكتابة التاريخية الحضرمية أمام محكمة التاريخ لتضع قضية الهوية الوطنية الحضرمية المسلوبة أمام الأجيال.

صدر الكتاب في طبعته الأولى عام 2006م عن دار حضرموت للدراسات والنشر، يحتوي على دراسة شاملة لتاريخ حضرموت الوسيط تركزت على الجانب السياسي والعقائدي– المذهبي.

قسم المؤلف كتابه على أربعة أبواب وتوطئة ومقدمة وخاتمة.

وقد تطرق في التوطئة إلى غياب المصادر وما يكتنف تاريخ حضرموت الوسيط من غموض، حيث يقول: «قد لا يخطر على بال القارئ الكريم أنه لا يوجد أي مصدر تاريخ يتحدث عن تاريخ حضرموت الوسيط هو من نتاج ذلك العصر، ولكن تلك هي الحقيقة برغم مرارتها».

وبرغم أن بعض المراجع المعاصرة تتحدث عن مؤلفات تاريخية، فإنها في حكم المفقود حسب قول المؤلف.

وفِي التوطئة يورد المؤلف مقولة للمؤرخ طاهر بن علوي الحداد يُبين فيها الأسباب والدوافع من وراء غياب المصادر حول تلك الفترة من تاريخ حضرموت الوسيط يقول فيها: «إن الأخلاف وجدوا في سيرة الأسلاف ما ينكرونه عليهم اليوم فعمدوا إلى إخفائها وإفنائها».

ويقول معلقًا على ما قاله الحداد بقوله: «إن المؤرخ الحداد يرى أن سبب تلك الشحة في المصادر لا يعود إلى عدم كتابة الأسلاف عن حياتهم وعصرهم وطبيعته بل يعود إلى عقدة الأخلاف من مذهب الأسلاف».

ولَم يقتصر الإخفاء والإفناء على ما يخص الجانب المذهبي– العقدي وحسب بل تجاوزه إلى المسألة العرقية وما يتعلق بالأنساب.

إذ يقول: «وليست المذهبية هي التي سيطرت على الكتابات التاريخية الحضرمية المعاصرة بل حتى المسألة العرقية أخذت نصيبها مما تعرض له التراث من تشويه وتحريف حتى في مجال الأدب والشعر».

مستشهدًا ببيت من قصيدة للإمام أبي الحب التريمي المتوفى سنة611هـ يمدح فيها مدينة تريم وحاكمها الإمام عبد الله بن راشد يقول فيه:

حماها الله من بلد وأبقى… أبا بكر ودام لها النعيم

لتمتد إليه أيادي التزوير مستهدفة الشطر الثاني من البيت ليكون على النحو التالي:

حماها الله من بلد وأبقى… لها الأشراف ما له من مضيم

وما تعرض له هذا البيت من تحريف لا يدخل تحت حكم التصحيف الذي غالبًا ما يحصل أثناء النسخ وهو لا يكون إلا في كلمة واحدة بتحويل وضع حرف من حروفها بدلًا عن حرف آخر يشبهه في الرسم، أما أن يستبدل عجز البيت بأكمله فهذا تزوير وتحريف للكلم عن مواضعه، ولتغيير المعنى بأكمله وصرفه إلى غير مقاصده.

وما هذه إلا حالة واحدة من حالات الطمس والتحريف والإفناء التي تعرض لها تاريخ حضرموت الوسيط من قبل الأخلاف.

وفيما يخص الجانب العقدي والمذهبي يقول المؤلف: «ليس هدفنا في هذه التوطئة الدلالة على تناقضات وعيوب الكتابات التاريخية الحضرمية المعاصرة القائلة بالسيادة المذهبية السنية المبكرة في حضرموت، فذلك الأمر موضعه (نقض الرؤية السائدة) الوارد في هذه الدراسة، وإنما هدفنا هو شرح الأساس المذهبي الذي تقوم عليه تلك الكتابات وتبيان أزمة المصادر الحضرمية. على ندرتها نظرًا لما تعرضت له من اعتداءات سُجلت ضد مجهول».

وفيها يرسم خطوطًا عريضة – عناوين- لما يريد التعرض له بالنقد والتحليل في كتابه، مُبينًا ما سوف يعتمد عليه من مصادر أدبية إضافة إلى ما توفرت لديه من مصادر تاريخية ليتناول بالنقد والتحليل ما بقي من أدب ذلك العصر شعرًا ونثرًا.

وقد ابتدأ مقدمته مخاطبًا القارئ بما تضمنته الدراسة واحتوته من موضوعات لتأسس لمشروع رؤية جديدة تختلف اختلافًا جذريًّا عما سبقها من كتابات ودراسات بحثية، مذكرًا بما اعتمد عليها من وثائق محققة وشهادات حية، وتحليل علمي رصين. وهو الأمر الذي تفتقر إليه الدراسات السابقة التي وصفها بالبناء الهش المتهالك الذي سقط على رؤوس ساكنيه.

موضحًا في مقدمته الأسلوب الذي اتبعه في عرض دراسته ليسهل على القارئ الربط بين أبوابه وفصوله ومتابعة حيثيات كل حكم من خلال علاقته بما قبله وقد قسم الدراسة إلى أبواب أربعة كل باب يخص فترة زمنية من التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد