تناول الباب الأول من الدراسة العصر الإباضي الخالص 129هـ – 400هـ، واستهله بالحديث عن موقع حضرموت الجغرافي ودخول الإسلام إليها، وما شهدته من نزوح لأغلب سكانها للمشاركة في الفتوحات الإسلامية وما كان لأهل حضرموت من أدوار بوصفهم قادة فاتحين وقضاة في مختلف أصقاع العالم الإسلامي ليجعل منه مدخل لا بد عنه ليشرع بعده بالحديث عن الدور الإباضي وما شهدته حضرموت من أحداث تاريخية متمثلة بقيام الثورة الأباضية في حضرموت على الحكم الأموي سنة 129هـ بقيادة (طالب الحق) الإمام عبد الله بن يحي الكندي وما ترتب عليها من أحداث عجلت بسقوط الدولة الأموية.

وقد تناول في نفس الباب ما شهدته حضرموت في القرن الخامس الهجري لظهور أنظمة الحكم الوسطية المتطورة والصدام الإباضي الإسماعيلي (الصليحي).

وما شهده ذلك القرن من أحداث كان أعظمها الغزو الصليحي لحضرموت استطاع من خلاله الصليحيون إخضاع حضرموت تحت سلطتهم سنة 455هـ بعد معارك وقتال شرس قاده الإمام الأباضي أبو إسحاق إبراهيم الهمداني الحضرمي.

وقد أطنب المؤلف في هذا الباب مسترسلًا بحديثه عن أبي إسحاق الهمداني وبطولاته التي وثقها شعرًا في ديوانه (السيف النقاد) وقد اعتمده المؤلف كوثيقة هامة في تصوير الواقع الحضرمي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، منهيًا الباب بالحديث عن الأباضية في أقطار العالم الإسلامي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري.

وقد خصص الباب الثاني من الكتاب ليتناول فيه أهم أحداث القرن السادس الهجري ويبتدئ رؤيته حول الرؤية السائدة ونقضها نقضًا جذريًا معتمدًا على ما تحمله بداخلها من تناقضات ذاتية وموضوعية إضافة إلى ما توفرت لديه من أدلّة علمية دامغة.

وكما يقول بهذا الخصوص في موضوعه (بيان للناس)

«ليس من العقل أو المنطق أو العلم في شيء أن يقول مؤرخ: إنه في القرن الرابع الهجري أذاب الله الإباضية كإذابة الملح، ثم نجده يقول بحضورها القوي في قرون لاحقة متأخرة، أو أن يقول آخر: إن حضرموت في القرن السادس الهجري كانت كلها سنية الاعتقاد، ثم نجده يقول عن الأوضاع في نفس ذلك القرن: وكانت الأباضية والمعتزلة طامة على الملة الإسلامية. أو يقول آخر: إنه في ظل الغزو الصليحي لحضرموت في منتصف القرن الخامس الهجري، ارتفعت راية أهل السنة. فكيف يمكن أن نفهم أن تقوم الدولة الصليحية الشيعية الإسماعيلية المذهب بإعلاء راية أهل السنة؟ هذا المنطق المختل والمتناقض إلى درجة السذاجة، هو منطق كل المؤرخين الحضارمة الذين عانوا الكتابة التاريخية الحضرمية، وكل يتناقض على طريقته، غير أنهم متفقون على السيادة المبكرة للاعتقاد السني في حضرموت وهو الأمر الذي يرى مشروع رؤيتنا خلافه تمامًا».

صحيح أن الدراسة سلسلة مترابطة آخذة بعضها برقاب بعض، إلا أن الباب الثاني منها يعتبر الباب الأهم والميدان الذي دارت عليه معركة التاسيس والبناء من خلال ما تعرض له المؤلف بالنقد والتحليل لموضوعات مهمة وخطيرة تغافل عنها منظرو الرؤية السائدة، ولَم يتعرض أحدًا لها بالنقد والتحليل العلمي الدقيق حتى جاء الأستاذ سالم مفلح برؤيته التأسيسية ليقدمها قرابين على مذبح المنهجية التاريخية.

ولينتزع الحقيقة المغيبة ليكشف من خلالها عن زيف وبطلان ما يروج له من قِبل انصار الرؤية السائدة حول سنية حضرموت إبان تلك الفترة من تاريخ حضرموت الوسيط.

وفِي الفصل الأول من هذا الباب يتعرض المؤلف لأهم الأحداث التاريخية الكبرى من تاريخ حضرموت في تلك الفترة بالنقد والتحليل العلمي ليقدمها كشاهد اثبات في مرافعته التاريخية ومنها الغزو الأيوبي لحضرموت سنة 575هـ والذي راح ضحيته قرابة 300 عالم في مدينة تريم وحدها وفِي هذا دلالة واضحة على كثرة القتل الذي قامت به الحملة الأيوبية في حق العلماء والفقهاء، وهنا يقول المؤلف «لقد دللنا على أن ذلك السلوك الوحشي من قبل الأيوبيين إنه لم يكن إلا لأسباب مذهبية محضة، وأن الأيوبيين لم يمارسوا ذلك الأسلوب البشع في حق العلماء إلا في حضرموت من دون باقي مدن اليمن التي استهدفتها الحملة» مضيفًا بقوله:

«إن ما توصلنا إليه من معطيات على ضوء ما سبق من هذه الدراسة تقول: إن الأوضاع المذهبية في حضرموت في القرن السادس الهجري وأثناء الحملة الأيوبية عليها لم تكن سنية من الناحية العقائدية، وإذا كان الأمر كذلك فهي أما أن تكون أباضية باعتبار أن الأباضية هي مذهب حضرموت الأساسي أو تكون معتزلية ذلك المذهب الذي تتحدث عنه وعن وجوده في حضرموت في تلك الفترة بعض المصادر والمراجع، إلا أننا لا نملك دليلًا نصيًا على أي منهما غير أننا سوف نحاول الإمساك بأول خيط يخرجنا من محيط هذه المتاهة يقدمه لنا نشوان بن سعيد الحميري كمدخل لتوسيع الرؤية».

يعتبر نشوان الحميري رأسًا كبيرًا من رؤوس المعتزلة في القرن السادس الهجري لجأ إلى مدينة تريم – حضرموت – في النصف الأول من القرن السادس الهجري ليمكث بها سنتين ونصف بعد أن اشتد خلافه مع الهاشميين القاسميين حكام الجوف وصعدة. وفِي هذا دليل آخر يرى فيه أن الأوضاع المذهبية والسياسية في – تريم – حضرموت لم تكن سنية كما يدعيها انصار الرؤية السائدة.

«وإلا ما كان لنشوان أن يختار تريم لتهدأ فيها نفسه من عناء تلك الخصومة والعداوة المذهبية لو لم تكن تريم وأوضاعها المذهبية والسياسية تتناسب مع مذهبه في الاعتزال وآرائه ونظرته للأمور، مستشهدًا ببعض الأبيات من قصيدة بعث بها نشوان من الجوف بعد عودته من تريم يقول في مطلعها»:

رعى الله إخواني الذين عهدتهم

ببطن تريم كالنجوم العوالم

فأبيات القصيدة طافحة بالمشاعر الجياشة لنشوان تجاه تريم وأهلها وعن الروابط العميقة التي جعلته يرى فترة عامين ونصف التي قضاها بتريم تمر عليه كأحلام نائم كما جاء في شرح المؤلف لهذه الابيات وهنا نجده لم يترك لأي كلمة من كلمات القصيدة أن تمر دون التعرض لها بالشرح والتحليل معبرًا عن مدلولاتها ومعانيها ففي البيت الأول من القصيدة يقول: «إن كلمة (إخوان) لا يطلقها العلماء وأصحاب المذاهب والمدارس ومن هم في منزلة نشوان العلمية والمذهبية إلا على من هم على مذهبه فهي أخوة مذهبية، على أن تلك الإشادة بفضل وعلم أولئك الأخوة من قبل نشوان ليست غريبة على الأدب المعتزلي ذلك إن اعتداد المعتزلة بالمعتزلي كاعتداد الشيعة بالوصي، والمهدوية بالمهدي على قول الخوارزمي».

ويضيف قائلًا: «إن الانسجام التام بين العلامة المعتزلي الكبير نشوان وبين المجمع العلمي التريمي والقيادة السياسية في تريم، بل ممارسة نشوان النشاط التجاري في دعة وأمان كل ذلك أمر جدير بالملاحظة الدقيقة، ذلك أن مجمعًا علميًا أشعريًا ما كان يمكن أن يقبل أن يعيش بين ظهرانيه رأس معتزلي حتى بأقل من رأس نشوان فكيف يقبل بنشوان».

ومن كل ما سبق يستنتج المؤلف أن السبب المذهبي هو الذي جعل نشوان يتخذ من تريم موطنًا بديلًا، قضى فيها قرابة سنتين ونصف بعد أن ضاق به العيش في موطنه الأصلي الجوف. وفِي الفصل الثاني من هذا الباب يتناول المؤلف شخصيتين كبيرتين من علماء المجمع العلمي المعتزلي في حضرموت في القرن السادس الهجري وهما: شيخ الإسلام سالم بن فضل بن عبد الكريم با فضل، والإمام محمد بن علي القلعي، إضافة إلى الشاعر التكريتي، ليستعرض تراثهم الأدبي من شعر ونثر بالنقد والتحليل وما تعرض له من تشويه وتحريف من قبل الأخلاف.. مبتدئًا بشيخ الإسلام با فضل وقصيدته الفكرية والتي تتكون من 140 بيتًا والذي يقول في مطلعها:

أيا فاتحًا بابًا عظيمًا من الفكر

هنيئًا لك الحظ الجزيل من الأجر

وقد تناول من القصيدة الفكرية للشيخ بافضل الستة الأبيات الأولى، إضافة إلى إحدى وصاياه الزهدية بالشرح والتحليل ليثبت من خلالها اعتزالية الشيخ بافضل، وأن ما تضمنته القصيدة وما نصت عليه الوصية لا يحتاج إلى دليل آخر يسنده فيما يتعلق بمذهب العلامة المعتزلي الكبير سالم با فضل.

وكما يقول لسنا في حاجة إلى شرح باقي أبيات القصيدة فهي غنية عن أي شرح لوضوح أفكارها ومدلولاتها.

وأما الشاعر التكريتي الظفاري وقصيدته اليتيمة فقد تناوله المؤلف في هذا الفصل من خلال شرح وتحليل القصيدة التي قال عنها المؤرخ با مخرمة: إن أعيان أدباء اليمن قالوا فيها إن كل شعر يدرس إلا ما كان من قصيدة التكريتي.. وهنا يقول المؤلف: أن ما نفهمه من حكم أعيان أدباء اليمن على تلك القصيدة هو أنهم رأوها لا تخضع لمقاييس الدراسة الأدبية المتعارف عليها، بالرغم من حسنها وجمالها. إلا اننا نجد المؤلف يستنطق ابياتها التي لم يتعرض لها أحد قبله بالشرح والتحليل ليفك مغاليقها ويكشف مجاهيلها ليعرفنا من خلال شرح أبيات القصيدة وتحليلها بشخصية قائلها وميوله السياسية والمذهبية. وأثناء ترجمته للإمام أبي عبد الله محمد بن علي القلعي الظفاري المتوفى سنة 577هـ يقول: هو أحد علماء الاعتزال والوافدين على حضرموت في عهدها المعتزلي في القرن السادس الهجري، ولهذا لا يعرف موطنه الأصلي فهناك أقوال بشاميته، وأخرى بمغربيته، كما أن المصادر لا تذكر شيئًا عن شيوخه، إلا ما ذكره الشاطري بأنه تتلمذ لشيخ الإسلام با فضل السابق ذكره.

وفيما يتعلق بموروثه العلمي يقول المؤلف كان الإمام القلعي موسوعيًا في معارفه، وذلك الأمر مشهور عن علماء الاعتزال لهذا كان طبيعيًا أن يكون عطاؤه متنوعًا وقد أورد ما هو منسوب اليه من مؤلفات في الفقه والسير والفلسفة غير أنها مفقودة باستثناء كتاب «تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة» في الفلسفة.. وبعد أن تحدث عن الكتاب وأهميته وما تضمنه من موضوعات نجده يشير إلى اعتناء الإمام القلعي في كتابه بذكر أئمة الاعتزال وأعلامه وخلفاؤه الذين لا يكنّ أهل السنة لبعضهم ذرة احترام أو تقدير وممن ذكر منهم: ابن العميد أحمد بن داؤود وثمامة بن الأشرس والصاحب بن عباد وعمرو بن عبيد والحسن البصري الذي يعده المعتزلة من الطبقة الثالثة منهم ومن خلفاء الاعتزال من بني أمية: يزيد بن الوليد بن عبد الملك ومروان بن محمد، وهما مجمل خلفاء الاعتزال من بني أمية. ومن خلفاء الاعتزال من بني العباس: المأمون والمعتصم والواثق، وهم مجمل خلفاء الاعتزال من بني العباس. ويضيف معلقًا على ما أوردها الإمام القلعي من أسماء في كتابه المشار إليه بأعلاه «إن حديث الإمام القلعي عن أعلام الاعتزال لم تأت عرضًا غير مقصود وإنما جاء في مهمة استقصاء أهم أخبارهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد