وفِي الباب الثالث من الدراسة يستعرض المؤلف الأحوال السياسية والمذهبية نهاية القرن السادس وبداية السابع الهجري، وفِي هذا الباب يتطرق لنهاية الحملة الأيوبية على حضرموت وهزيمتهم على يد قبيلة نهد وأحلافها، وما أحدثتها من تغيرات مهمة على الخريطة السياسية الحضرمية وما تعرضت له حضرموت في القرن السابع من غزو سني آخر على يد الرسولين خلفاء الأيوبيين في اليمن، وهنا يُبين الهدف من الحملة الرسولية بقوله:

«وكان هدفها الأساسي هو استكمال المهمة التي لم ينجح فيها الأيوبيون، ألا وهي القضاء على ما تبقى من الوجود السلطوي المعتزلي في حضرموت».

وقد استطاع الرسوليون إخضاع أجزاء كبيرة من حضرموت لسلطتهم.

إلا أن المقاومة الحضرمية الإباضية والمعتزلية بقيت مشتعلة جذوتها طوال القرن السابع «ما ساهم في أضعاف الوجود الرسولي في حضرموت، وخاصة في الوادي، وإن بقي قويًا في الشحر الساحلية».

وفِي هذا الباب يستعرض بعضًا من الشخصيات الحضرمية الإباضية تحت عنوان: «من أعلام الإباضية في القرن السابع الهجري» ليتناول الفقيه الشاعر أبو الحسن علي بن عقبة الهجراني المتوفى سنة 695هـ مركزًا في ترجمته على قصيدته الرائية شرحًا وتحليلًا لما تضمنته أبياتها من أنساق ثقافية خفية واضحة الدلالة على إباضية الشاعر والتي يقول في مطلعها:

أصبرت نفس السوء أم لم تصبري

بيني وما تهوين يوم المحشر

إني أمرء عفّ الإزار عن الخنا

لم أغش منذ نشأت باب المنكر

وكذلك لم يغفل المؤلف ما تعرض له هذا العالم والأديب من معاناة وتنكيل بسبب نشاطه السياسي والمذهبي.

وفِي الباب الرابع والأخير يستعرض مجموعة من الأحداث التاريخية منذ بداية القرن الثامن الهجري حتى العاشر الهجري، مبتدئًا بالأوضاع المذهبية والسياسية وما تعرض له الوجود السلطوي المعتزلي في حضرموت حسب تعبيره من ضربات على يد الأيوبيين السنة الأشاعرة أدت إلى تقويض إمامتين معتزليتين آل راشد في تريم، وآل دغار في شبام.

حيث يقول: «وفِي أواخر القرن السابع الهجري تعرض ما تبقى من ذلك الوجود إلى ضربة أخرى من قبل الرسوليين أدت إلى سقوط آخر إمامتين معتزليتين وهما آل حبوضي في ظفار، وآل إقبال في الشحر».

وبعد سقوط إمارتي آل حبوضي، وآل إقبال، خلت حضرموت من أي وجود سلطوي معتزلي، وتركزت السلطة في يد القوى القبلية الإباضية وهي القوى التي وقفت في وجه آل رسول طوال فترة احتلالهم لحضرموت.

إلا أن الأوضاع لم تظل على ما كانت عليه، ففي نهاية القرن الثامن ظهرت على المسرح السياسي الحضرمي قوتان جديدتان، هما إمامة آل أبي دجانة في الشحر ليمتد نفوذها إلى المشقاص والمهرة، وإمامة آل كثير في شبام وظفار. وهنا يورد ما قاله المؤرخ الحداد وتأكيده على إباضية آل أبي دجانة كما قال إباضية قبائل المهرة في ذلك العهد معقبًا على ما قاله الحداد بقوله: ولَم نكن نعتبر ما قاله الحداد حجة لو لم يكن ما قاله يؤكد مسار الأحداث التي سوف ناتي عليها في هذا الباب، وخاصة في علاقاتها بالدولة الكثيرية.

وهنا يكون له مع الدولة الكثيرية الطارئة على مسرح الأحداث حديثًا آخر يختلف تمامًا وما تعتقده المصادر التاريخية الحضرمية والتي تقول بسنية الدولة الكثيرية دون أن تقدم دليلًا نصيًا وأحد يحدد مذهبها.

وفِي هذا الخصوص نجده يستعين بالمصادر الأدبية معتمدًا على قصيدة لشاعر الدولة الكثيرية والمتحدث الرسمي باسمها الشيخ عمر بن عبد الله بامخرمة لتسعفه بالحقيقة بعد أن اعتصمت كل المصادر الحضرمية الأخرى بالصمت ليجد ضالته المنشودة في هذه القصيدة بعد أن عرضها للنقد والتحليل ليخرج بالاستنتاج التالي:

إن القصيدة وما تضمنتها من انساق ثقافية تنتمي إلى الأدب الشيعي الصريح الواضح المعالم، وعليه فالأقرب للحقيقة أن تكون الدولة الكثيرية زيدية المذهب.

وبعد أن استكمل حديثه عن دولة آل جعفر الكثيري، وإثبات زيديتها المذهبية تطرق لدولة آل محمد بن عبد الله الكثيري الإباضية بقوله:

«أما دولة آل محمد الكثيرية فقد تم تغييبها وطمس تاريخها وشخصيتها بشكل يكاد يكون كاملًا في الكتابات التاريخية الحضرمية، متهمًا الخلف بطمس وتغييب كل ما هو مخالف لمعتقدهم المذهبي، وما هم عليه اليوم كما هي عادتهم في التعامل مع الموروث، وبخاصة الإباضي منه».

وهنا نجده يوضح ويُبين لنا ما قد يُشكل علينا فهمه لوجود مذهبين مختلفين في قبيلة حضرمية واحدة كقبيلة آل كثير.

فيقول: «إن المذهب الإباضي في القبيلة الكثيرية ليس مذهبًا جديدًا أو طارئًا بل لا بد أن يكون هو المذهب التأسيسي لهذه القبيلة شأنها شأن بقية القبائل الحضرمية والمجتمع الحضرمي منذ ثورة طالب الحق الإمام عبد الله بن يحيى الكندي 129هـ».

وإذا كان هناك من هذه القبيلة من اعتنق المذهب المعتزلي الزيدي باعتباره مذهب حضرموت التاريخي الثاني بعد الإباضي، فإن ذلك يعني بالضرورة أن هناك من القبيلة الكثيرية من ظل على إباضيته مذهب الأجداد تمامًا مثل من ظل من هذه القبيلة على طريقة حياته البدوية والقبلية.

وليؤكد ما ذهب إليه في دراسته يستشهد بأقوال كبار مؤرخي تلك الفترة التاريخية تحت عنوان عقائد أهل حضرموت في القرنين التاسع والعاشر الهجريين عند ابن خلدون والإمام السخاوي ليرصد لنا أقوالهما كلًا فيما يخص الزمن الذي عاش فيه.

فابن خلدون المتوفى سنة 808هـ يقول عن أهل حضرموت:

«ويقال إن في حضرموت نحلة الإباضية لهذا العهد» وقوله الثاني: «إن أهل حضرموت يحكمون بأحكام علي وفاطمة، ويكرهون عليًا للتحكيم».

وهنا يعلق بقوله: «وأما قوله الأول ففيه من الإبانة والوضوح ما يكفي في تأييد ما دل عليه مسار الأحداث في دراستنا هذه لهذا العهد في حضرموت».

وفِي تعليقه على قوله الثاني: (يكرهون عليًا للتحكيم) تأييدًا لقوله الأول فما من فرقة إسلامية افترقت عن علي بسبب التحكيم، وكرهته على قبوله به إلا الخوارج والإباضية.

وأما قوله بأنهم يحكمون بحكم علي وفاطمة فذاك يصدق على الزيدية والإباضية أما الزيدية فلأنهم شيعة، وذاك شأن كل الفرق الشيعية، وأما الإباضية فإنهم وإن اختلفوا وافترقوا عنه بسبب التحكيم، إلا أنهم يأخذون بأحكامه.

وفيها يستدل على ما سبق بإباضية المغرب الذين اطلع ابن خلدون على كتاباتهم، والتي لا يقولون فيها بخلق القرآن وأنه قديم، أي أنهم يقولون بقول أهل السنة، ويدعون ما ذهبوا إليه بقولهم: «إن الإجماع أثبت أن القرآن غير مخلوق».

ويستدلون بقول علي عندما أنكرت عليه الخوارج في التحكيم ورده عليهم بقوله: «أنا ما حكمت مخلوقًا وإنما حكمت القرآن».

وأما الإمام السخاوي المتوفى سنة 902هـ فقد جاءت شهادته في موضعين الأول قوله «اليمن يوجد في علمائه الحنفية، وكثير من الزيدية، وهم بصنعاء ونحوها ومن العثمانية وهم بحضرموت…»، والثاني حين عد حضرموت من البلاد «التي لا حديث يروى بها ولا عرفت بذلك»، وهنا يضيف معلقًا على ما قاله السخاوي في قوله الأول: «إن العثمانية التي يتحدث عنها الإمام السخاوي هي مذهب في الإمامة والحكم يرى صحة ولاية أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهي حين تقول بذلك لا تربطها بصلة النسب القرشي للخلفاء كما نجده لدى أهل السنة والذين يشترطون الأئمة من قريش».

وكذلك الشيعة والتي تشترط في الإمام أن يكون هاشميًا.

وهنا يذكر المؤلف المذاهب والفرق العقائدية التي تنتمي إلى العثمانية ويذكر منها: المعتزلة والإباضية وفرقة (المطرفية) وهي من الفرق الزيدية التي لا تشترط حصر الإمامة في أبناء علي وفاطمة، كما هو حال بقية الفرق الزيدية الأخرى من جارودية وهادوية.

وفِي هذا الباب من الدراسة يخصص المؤلف مساحة كافية ليتناول فيها السلطان بدر بن عبد الله الكثيري (أبو طويرق) 902هـ – 977هـ ومشروعه الانقلابي السلطوي السني الاعتقاد ومحاربته للكيانات الإباضية، والمعتزلية الحضرمية، واستعانته بالقوى الخارجية طوال صراعاته، والتي استمرت قرابة 50 عام من عمره.

وقد تناول في الفصل الثاني من الباب الحياة الفكرية والأدبية في القرن العاشر تحدث فيها عن أهم ثلاث شخصيات في ذلك القرن، وهم الأئمة:

بحرق – بامخرمة – باجمال وقد استعرض سيرهم بشي من النقد والتحليل، وما تعرض له تراثهم من تشويه على يد الخلف، وبعد أن أنهى حديثه عن الإمامين بحرق وبامخرمة نجده يقول أثناء ترجمته للإمام باجمالئ: «لقد تبين لنا أنهما كانا على مذهب الاعتزال، ولَم تكن معرفة حقيقة مذهبهما سهلة المنال ميسورة بعد أن عبثت أيادي الأخلاف بحقيقته وجاهدت كثيرًا لطمسه ليتناسب مع مذهبهم اليوم، وبعد أن أدعت تلك الأيادي أنهما من أعلام التصوف، وأدخلت على تراثهما الكم الكثير من الأفكار والآراء التي تؤكد ما يقوله الخلف غير أن الحقيقة التاريخية كما يقول علماء التاريخ يخدمها أعداؤها أكثر من أصدقائها».

وأما في الفصل الثالث والأخير من الباب الرابع تناول المؤلف الزهد المعتزلي – الإباضي في حضرموت في العصر الوسيط ومدرسة الزهد الحضرمية المعاصرة، ليعطي لنا صورة واضحة عن مدرسة الزهد الحضرمية والسلوك الأخلاقي الذي ساد في تلك الفترة إذ يقول: «إن تصوف حضرموت إنما هو تصوف سلوكي خال من الجانب النظري في التصوف ولا يكون الجانب النظري في التصوف (أي النظري)، إلا فلسفيًا، وهذا النوع من التصوف هو الزهد بعينه، أي أن الزهد هو جانب سلوكي خال من الفكر والتجريد النظري»، وهنا نجده يربط ما بين الزهد الحضرمي الإباضي – المعتزلي وما نحن عليه اليوم ليقول: «لا نستطيع أن نفسر ظاهرة بقاء الزهد الحضرمي على صورته النقية الخالية من أي تصوف إلى اليوم، إلا إذا كان لحضرموت مسارها التاريخي الخاص بها، وهو الأمر الذي جعل لمسيرة الزهد فيها مساره الخاص بها أيضًا، وتأتي تلك الخصوصية من طول عمر مذهبي الإباضية والاعتزال في حضرموت الذي امتد إلى ما بعد القرن العاشر على الأقل».

وهنا يشير إلى تأثير الفكر المذهبي وما رافقه من زهد طوال فترة وجوده بقوله: «لقد امتد تأثيره المباشر ليشمل المجتمع الحضرمي كله بما في ذلك البوادي، حيث قام بأسلمة العرف القبلي الحضرمي، واستطاع تحويل العيب القبلي إلى حرام ديني».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد