عندما كنت في المرحلة الثانوية كنت أسمع خطيب الجمعة يسب ويلعن ويصف الحجاج بن يوسف الثقفي بأنه قاتل وطاغوت ومقبور وهالك، وأنه نكل بآل البيت رضوان الله عنهم أجمعين. كانت المرحلة الجامعية فرصة لي للاطلاع أكثر ومعرفة المزيد عن الحجاج، وكانت مفاجأةً لي أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يتهم الحجاج  بأنه من حرق الكعبة، وأنه لم يضربها بالمجانيق، ولم ينكل بمن تبقى من التابعين وتابعي التابعين. لم يذكر ابن تيمية هذه الافتراءات، بل ذكر أن  الحجاج  كان يعظم الكعبة بل إنه أعاد بناءها عندما تولى إمارة الحجاز لمدة عامين، ووجدت معظم الكتب سواء كتب ابن كثير أو ابن تيمية أو الذهبيي أو الطبري لم يتهموا الحجاج بالتكيل بالهاشميين، بل إنه صد رجلا جاء إليه، وقال له إنني قتلت الحسين وأمر بضرب عنق من اشترك في قتل الخليفة عثمان رضي الله عنه.

إن من بين إنجازات الحجاج هو تعريبه للدواوين، وتقسيمه وتنقيطه للمصحف الشريف، ولا ينكر إلا جاحد أو جاهل ما قام به الحجاج من فتوحات إسلامية سواء في بلاد السند والهند وبلاد ما وراء النهرين، حتى وصلت جيوشه إلى حدود الصين، وما زالت باكستان وأفغانستان ومعظم دول الاتحاد السوفيتي وبلاد الترك تشهد بالوحدانية والإسلام، وكل هذا بفضل الحجاج بن يوسف الثقفي المفترى عليه.

وتذكر الكتب أن الحجاج قام بشق القنوات للزراعة، وأنه حارب الرافضة وقضى على الفتنة في العراق وما حولها. إن ملك الأمويين والدولة الأموية تدين بالفضل للحجاج في إرساء دعائمها، وتثبيت حكمها في ظل فتن واضطرابات كانت مصاحبة لبداية الدولة الأموية.

وما بين الحجاج وعبدالناصر قرون، ولكن نفس عقلية الجاحد والجاهل لإنجازات عبدالناصر، فمعظم الإخوان يطلقون على عبدالناصر لقب الهالك والمقبور، بل ووصل بعضهم في أدبياتهم أن يكفروا عبدالناصر، ولا يختلف السلفيون عن الإخوان في وصف عبدالناصر بالطاغوت، ويضاف إليهم بعض اليساريين بوصفهم له بالديكتاتور، هؤلاء تذكروا فقط بعض قصص التعذيب التي نالها قلة من الإخوان أو اليساريين، وربما تأثروا بقصص الشيخ كشك في خطبه وزينب الغزالي في كتابها «أيام من حياتي» ولكنهم تناسوا ما قدمه عبدالناصر للإسلام ولمصر والعروبة من إنجازات، وما إنجازات عبدالناصر وما معاصروه منكم ببعيد.

إن عبدالناصر مثله في ذلك مثل الحجاج، فكل منهما له أخطاؤه، ولكن إنجازاتهما تفوق هذه الأخطاء، فإذا نظرنا إلى إنجازات عبدالناصر التي ما زالت شاهدة أو خربها أو باعها من جاءوا بعده، فسوف تنسى ما فعله عبدالناصر من أخطاء، وأكاد أجزم أنه لولا موت عبدالناصر لكانت مصر الآن في أفضل حال، وربما كانت تسابق الهند أو ماليزيا. وأكتفي هنا ببعض إنجازات عبدالناصر، وهذا قليل من فيض: في 25 مارس 1964 أنشأ وافتتح أول وأكبر إذاعة للقرآن الكريم بالعالم إذاعة متخصصة لقراءات القرآن الكريم، وظلت على سياستها لم تتغير إلا مؤخرا فى حكم ما سموا أنفسهم إسلاميين فأصبحت مسيسة لأول مرة بتاريخها.

في عام 1959 تم افتتاح مدينة البعوث الإسلامية بالأزهر، وقام بافتتاحه الزعيم جمال عبد الناصر مع شيخ الأزهر حينها الشيخ محمود شلتوت، وتستقبل طلاب الدول الإسلامية وترعى الحكومة المصرية نفقاتهم التعليمية والمعيشية طول مدة دراستهم. في 24 يوليو 1965 وضع حجر الأساس للكاتدرائية المرقسية بالعباسية فى احتفال مهيب دعا إليه رؤساء الطوائف الدينية وإمبراطور أثيوبيا هيلاسلاسى وبطريريك الطائفة الأثيوبية، وأصبحت الكنيسة الأثيوبية تابعة مِلِّيا للكنيسة والكاتدرائية فى مصر، مما أفاد مصر فى قضية النيل. عقد إنشاء المرحلة الأولى لمترو الأنفاق (شبرا الملك الصالح) أبرم عام 1970 في إدارة وزير النقل المصري علي زين العابدين، ونشر بجريدة أخبار النقل فى 31 أغسطس 1970 عن وفد الخبراء الفرنسي لإبرام العقد بالقاهرة. أصدر قرارًا بإنشاء قسم الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية عام 1960 وترأسه بوصفه أولَ رئيس له العالم النووي المصري يحيى المشد.

وفي يوليو 1961 بدأ عمل المفاعل النووي المصري بأنشاص وفى أكتوبر 61 بلغت قوتة 2000 كيلو وات وأصبح جاهزا لإجراء البحوث في مشروعات العلوم والهندسة وإنتاج النظائر المشعة. في 9 يناير 1960 عبد الناصر أعطى شرارة البدء لتنفيذ مشرع السد العالى بعد ملحمة وصراع مع الغرب والبنك الدولي على تمويله وتأميم قناة السويس بعد رفض البنك الدولي للتمويل، وما تلاه من عدوان ثلاثي؛ فيعد السد العالي رمزا للكرامة وإرادة التحدي للشعب المصري أكثر من كونه مشروع بناء، وقد اختارته الهيئة الدولية للسدود والشركات الكبرى باعتباره أعظم مشروع هندسي شيد بالقرن العشرين، عابرا بذلك مشروعات عملاقة مثل مطار شك لاب كوك فى هونج كونج، ونفق المانش الذى يربط بريطانيا وفرنسا.

في عام 1968 أنشأ بنك ناصر الاجتماعي فى وزارة حكمت أبو زيد وزيرة الشئون الاجتماعية، وهي أول وزيرة فى الحكومة المصرية والهدف هو دعم الطلاب غير القادرين والفئات غير القادرة.  وضع  حجر الأساس لكوبري جسر 6 أكتوبر أطول جسر بأفريقيا وضع بشهر مايو 1969 وكان يسمى حينها جسر ناصر رمسيس وسمي بكوبري 6 أكتوبر بعد الحرب.

أول مرة بالعالم العربى والإسلامي إقرار حق الانتخاب للمرأة والترشح لمجلس الأمة بالقانون رقم 73 لعام 1956 المبنى على دستور مصر الرئاسي 1956 وخروج مظاهرات نسائية ترحب وتحيي القانون والرئيس ناصر. لأول وآخر مرة بتاريخ مصر يحقق فائض بالميزان التجاري وبعد النكسة وفي عام 1969 فائضا بمقدار 46.9 مليون جنيه (تقرير الأمم المتحدة رقم 870 أ) الصادر فى 5 يناير 1976 ودراسة الاقتصادى السوفيتى لوتسكيفتش عن الوضع الاقتصادى المصرى بالستينيات.

في عام 1961 افتتح جمال عبد الناصر برج القاهرة (برج الجزيرة ) أو شوكة عبد الناصر بالمفهوم الأمريكي أو «وقف» روزفلت في المفهوم الشعبى ممثلا فى ذلك إرادة التحدي المصري كأكبر «لا» في التاريخ 187 مترا طول البرج. الانتهاء من إنشاء كورنيش النيل بالقاهرة في أول خطة خمسية بعد ثورة يوليو.

فى السابعة مساء يوم 21 يوليو 1960 تم افتتاح الإرسال للتلفزيون المصري ماسبيرو في الاحتفال بالذكرى الثامنة لثورة يوليو. إنشاء مجمع الألومنيوم بنجع حمادي فى 23 يوليو 1969 وبعد النكسة.

21 أكتوبر 1967 عيد القوات البحرية المصرية، وهو تاريخ إغراق المدمرة إيلات أمام سواحل بور سعيد، وذلك بأول استخدام للصواريخ البحرية سطح سطح بالعالم.

في عام 1969 أعطى الرئيس عبد الناصر توجيهاته بإنشاء حائط الصواريخ كأكبر شبكة دفاع جوي مركزة حينها، وهو ما يمثل الركيزة المحورية لأي خطة هجوم وتحرير لسيناء.

ووافق جمال عبد الناصر بمباردة روجرز بوقف إطلاق النار عام 1970 حتى يتم بناء وإدراج حائط الصواريخ على حافة الضفة الغربية لقناة السويس لشل سلاح الجو الصهيونى في ضرب العمق المصري وإعطاء القوات المصرية عمق عمليات هجومية لتحرير الأرض المحتلة.
في يوم 24 يوليو 1960 تم افتتاح استاد ناصر الرياضي «ستاد القاهرة الآن».

هذا ما قدمه عبدالناصر فماذا قدمتم أنتم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد