مصر لم تبقى هبة النيل

لا يخفى على الكثير بأنَّ نهر النيل من أطول الأنهار في أفريقيا والعالم، إذ يغطي حوضه ما مساحته 3.4 مليون كم مربع، وذلك بمروره من منبعه إلى مصبه بالبحر الأبيض المتوسط على 10 دول وهي: مصر، السودان، إثيوبيا، أوغندا، كينيا، تنزانيا، روندا، بوروندي، الكونغو الديمقراطية ومؤخرًا جنوب السودان، للنهر رافدان رئيسان هما: النيل الأزرق، والنيل الأبيض، هذا الأخير الذي ينبع من بحيرة فيكتوريا ليخترق بعدها الأراضي الأوغندية، ومن ثم يتابع جريانه إلى العاصمة السودانية الخرطوم، والتي تشكل نقطة التقاء النيل الأبيض والأزرق الذي ينبع قرب بحيرة تانا في إثيوبيا يشكل النيل الأزرق 85% من المياه المغذية لنهر النيل.

بداية هناك ملاحظة ربما تخفى على الكثير، وهي أنَّ التنافس على مياه حوض النيل ظلّ لفترة ليست بالقصيرة ينحصر بين ثلاث دول رئيسة وهي: مصر، إثيوبيا، السودان، وهذا بالرغم من وجود 10 دول تشترك في النهر كما سبق والإشارة إليه، ولهذا تفسيران:

الأول: بقية الدول لا تعتمد على نهر النيل كمصدر رئيس لها للمياه كروندا مثلًا

الثاني: عدم رغبة الدول السبع البقية في أحداث مشاكل مع مصر لكسب التأييد الدبلوماسي في المحافل الدولية لما تتمتع به مصر من وزن إقليمي.

سد النهضة: وقفة مع التاريخ

أحيانًا تفرض علينا بعض المشكلات، لا سيما السياسية منها العودة إلى مسارها التاريخي فما الحاضر إلاَّ نتاج لتراكمات تاريخية، وإلا كيف نفسر بلوغ الأزمة بين مصر وإثيوبيا ذروتها إن لم تكن هناك خلفيات تاريخية متبادلة. ما أود التطرق إليه في هذه النقطة، ليس الأرقام الاحصائية المرعبة لسد النهضة أو السد العظيم كما كان يُسمى، وما إذا كان السد سيوفر 6 آلاف ميغا واط من الطاقة الكهربائية لإثيوبيا، أم لا أو هل سينقذها من أزمات مجاعة كتلك التي حدثت في سبعينات القرن الماضي أم لا.. كل هذا يتطلب مقالًا أكاديميًا مستند على إحصاءات تكون أقرب إلى الحقيقة، وأنَّ ما نود التطرق إليه من نقاط اعتبرها مفصلية في تاريخ مشكلة السد.

وفي هذا السياق وجبَ التنويه بأنَّ الدراسات المتعلقة بإنشاء سد النهضة تم الانتهاء منها في سبعينات القرن الماضي، إلاّ أنّ الوضع الدولي السائد آنذاك من جهة وما عانته إثيوبيا من صراعات سياسية داخلية وكوارث إنسانية كالمجاعة من جهة أخرى حالَ دون الشروع في عملية بنائه، وكل هذا يُضاف إليه النزاع الإثيوبي الأريتيري ما بين 1998 و2000 .

لقد كانت فترة الستينات والسبعينات بمثابة «حرب باردة» بين مصر وإثيوبيا، فلقد اعقب الاطاحة بالإمبراطور «هيلاسيلاسي» في إثيوبيا وقيام جمهورية اثيوبيا بقيادة مانجستو هذا الاخير الذي تبنى النهج المتشدد في التعامل مع مصر بشأن مسألة السد خصوصًا بعد إعلان الرئيس المصري أنور السادات عن نيته في إمداد إسرائيل بالمياه في الوقت الذي كانت فيه إثيوبيا على أبواب المجاعة، ليعلن مانجستو على عزمه على بناء سد على النيل الأزرق، وهذا ما لم ترضه مصر، فبعد تحقيق السلام مع إسرائيل فإنه لم يعد خطرًا يهدد مصر سوى مسألة المياه حسب أنور السادات.

مصر تدفع ثمن الدور الانفرادي بخصوص مياه النيل:

في سنة 1993 وجَّه رئيس الحكومة الإثيوبية أصابع الاتهام لمصر بدعمها لإريتيريا لزعزعة الاستقرار في اثيوبيا بحجة مفادها استقرار إثيوبيا هو اضطراب لمصر، وبهذا فلقد حرصت مصر على الهاء إثيوبيا على مشروعها الذي سيُفقد مصر حقها في مياه النيل كما تزعم حكومات القاهرة المتعاقبة، ومن دون سابق إنذار أعلنت حكومة أديس أبابا عن انطلاق الأشغال لبناء السد في أبريل (نيسان) عام 2011، وهذا ما اغضب مصر والسودان.

«التاريخ صفحة واحدة.. وان اشتمل على عدة مجلدات»، بالعودة إلى تاريخ الاتفاقيات بخصوص مياه النيل نجد اتفاقية سنة 1959 والتي تُسمى اتفاقية «الانتفاع الكامل»، وكان طرفا هذه الاتفاقية مصر والسودان والتي تمخضت على السماح لمصر ببناء السد العالي.

وفي هذا السياق استندت إثيوبيا إلى حجة تاريخية تبدو مقنعة نسبيًا، مفادها أنَّ مصر لم تُخطر إثيوبيا بشأن بناء السد العالي، ولهذا فهي كذلك غير ملزمة بإخطار مصر.

مصر لم تبق هبة النيل

كثيرًا ما تُعجبنا لغة الأرقام والإحصائيات، كالفرق بين ترتيب جيشين، وأعداد الدبابات، ونوعية الأسلحة… إلخ، وإني أتعجب عندما أفتح الأخبار أو بعض المواقع الإخبارية وأجد محللين وأكاديميين يستخدمون عناوين مبالغً فيها نوعًا ما مثل: «طبول الحرب تُقرع» وغيرها مستخدمين في ذلك الأرقام لتدعيم موقفهم تارة ولنشر الاطمئنان للشعب المصري بأنَّ مصر مستعدة للحرب وستبقى هبة النيل كما عهدوها تارة أخرى في حين تذهب فئة أخرى إلى ممارسة طقوس القراءة ما بين السطور على حسب اعتقادهم مثل: التساؤل على كثرة لقاءات السيسي مع قادة الجيش المتكررة، كل هذا لن يفيد في حل الأزمة في شيء.

كثيرًا ما استذكر عبارة «دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات» عند مشاهدتي لأية حصة بشأن سد النهضة، أو قراءتي لمقال أكاديمي أو صحافي، إثيوبيا تستفيد من الدعم الإسرائيلي بشقيه المالي والفني في إدارة المياه، وما كان لها أنَّ تصل إلى ما وصلت إليه دون دعم إسرئيلي، تاركة بذلك الإعلام المصري غارقًا في تسويق الأرقام والإحصائيات للشعب المصري الصحيحة منها والمغلوطة ضاربًا بذلك الوضع الاقتصادي المزري للبلاد عرض الحائط.

وبهذا فإن الحرب تكاد تكون مستحيلة، وعلى حد تعبير أحد الأخوة المصريين بالعامية «مصر ما بقتش هبة النيل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد