الحياةُ بطبيعتها مُتغيرة، لا شيء ثابتٌ فيها، ولا حقيقة بها إلا شيء واحد، وهو أن الذي خلقك لن يتخلى عنك مهما حدث، مهما تغيرت الدنيا وتبدلت أحوالها رأسًا على عقب. نمرُ جميعًا بأوضاعٍ صعبة بين الحين والآخر، وكلٌ منا مُبتلىً في أمرٍ ما في حياته، أحيانًا نصمد كالجبال الرواسي، وأُخرى نضعف ونستكين، ونوشك على الاستسلام للواقع، ثم نرى نورًا من عند الله ينتشلنا من ظلام اليأس، ويدفعنا للأمل وللإيمان به وحده.

وعلى ذكر الابتلاءات وشدتها وقسوتها، لم أجد أعظم من الحديث عمن كان أمةً لله قانتًا، شاكرًا لأنعمه كلها، أواهًا حليمًا، يثق بالله ولا يعتريه اليأس قط، ثابتًا صابرًا موقنًا بربه، فاجتباه ربهُ واتخذه خليلًا له.

حينما تزوج أبونا إبراهيم، عليه السلام، من أمنا سارة، لم يُرزق بولدٍ منها، ومع ذلك ظل موقنًا مؤمنًا بالله، فبشرته الملائكة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، حينما تزوج من السيدة هاجر ورزقهما الله بإسماعيل، عليه السلام، أمره الله أن يتركهما في الصحراء، فترك الاثنين دون أن يسأل، أو يُفكر أو يقنط أو يجزع، وإنما رضي كل الرضا، لأنه آمن بربه حق الإيمان، فكان حقًّا على الله أن يُؤمنه.

ولما بلغ إسماعيل معه السعي، جاءت المحنة الثانية، فقد رأى في المنام أنه يذبح ولده، ورؤيا الأنبياء حق، فتحدث مع ابنه بثقةٍ بربه وفي أمره، وفضل إرضاء ربه على أي شيء وكل شيء، فأثابه الله وحفظ له ولده، وخلد ذكرى صبره ويقينه بعيدٍ تُقام فيه المناسك اقتداءً به وإحياءً ليقينه وحبه لربه.

وكان من أعظم الابتلاءات لإبراهيم عليه السلام هو عناد والده وكفره، لم تكن القضية بينهما قضية إيمان فقط، بل كانت كذلك قضية بِر ابن بأبيه، وحرصه الشديد على الأخذ بيديه نحو الصواب، وانتشاله من الضلالات والظلمات، ولكن بلطفٍ وإحسان وحكمة، دون تعنت أو غلظة، ولما أصر والده على عناده في التخبط في طرقات الغي، لم يكن رد إبراهيم على كل هذا إلا بالرحمة والبر، فألقى السلام على والده ووعده بأن يستغفر له ربه، ويختم قوله قائلًا:«إنَّهُ كَانَ بِى حَفيًا»،أي مُجيبًا لدعائي، لطيفًا بحالي، يعلم أن قلبي يُريدك أن تسلك طريق الحق يا أبتي، عليمٌ بما أخفيه في صدري، ولن يخذلني أبدًا وسيعطيني مرادي.

ولما حطم بيده الشريفة أصنام قومه إلا كبيرهم ليدفعهم للتفكير بأن ما يعبدونه من حجارةٍ لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، فكيف ستفعل ببشر أُوتي عقلًا وقلبًا وجسدًا وروحًا وقوةً ،فما كان جواب قومه إلا أن اجتمعوا على إحراقه، فلم يضعف ولم يستسلم، بل لجأ لركنه الآمن كعادته كل مرة، ووقف شامخًا بقلبٍ يملؤه الإيمان الكامل بالله، فأمر الله النار أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يكون فيها الابتلاء بردًا وسلامًا عليه، بل كان هذا هو الحال كل مرة يُرزق فيها ببليةٍ تقوده نحو الإيمان الراسخ بالله، واليقين الذي لا يهتز مهما عصفت برايته الرياح العاتيات.

ولم تحدث كل هذه الابتلاءات صدفةً، ولم تكن لبيان إيمان إبراهيم عليه السلام فقط، بل كانت منهجًا مُتبعًا نسلكه من بعده، نقتفي أثره في الثقة بالله وحسن التوكل عليه، واليقين الراسخ الثابت بأن الله معنا، موجود دائمًا معنا، ينتشلنا من ضياع ذواتنا وأفكارنا المحدودة، وقلة حيلتنا وضعفنا وهواننا ووهننا.
دومًا ما يُنجينا من كل كربٍ بلطفه ورحمته ووده، يخبرنا مع كل ابتلاءٍ بأنه القريب المُجيب، الذي لا يترك عباده أبدًا، ويُهديهم الكثير من المنح مع كل محنة، يُقربهم إليه، ويزيدهم حكمةً وفضلًا وتنويرًا.

لذا، مهما اشتدت علينا قسوة الأيام، ومهما طالت ظُلمات الليالي، وأفلت النجوم كلها في سماء قلوبنا، فإن الله دومًا موجود، دومًا ما يقول للابتلاءات كوني بردًا وسلامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد