15 دقيقة لا أكثر تقف بينك وبين عالم من الدراما المشوقة والمليئة بالمفارقات والقضايا الصاخبة، التي تغير نظرتك للبشر وتعاملهم بعضهم بعضًا، من خلال تباين مواقفهم النابعة من تباين ديانتهم وتوجهاتهم، إنه الفيلم الروائي القصير «السلام عليك يا مريم» الذي نال نصيبه من الشهرة بترشحه إلى أوسكار أفضل فيلم روائي قصير.

عالم من المفاهيم والمعاني يتفجر أمام المشاهد أثناء مشاهدة الفيلم، لاسيما مع افتتاح الفيلم بلافتة «احترس من الألغام» التي تنذر بالكوارث التي لا تنتهى.

يقدم فيلم «السلام عليك يا مريم» وجهًا آخر من الأزمة الفلسطينية، إذ يتعامل مع الحياة اليومية التي يعيشها الفلسطينين واليهود، ممثلة في عائلة يهودية تتعرض إلى حادث سيارة قبل عطلة السبت، التي تمنعهم من مزاولة المهام الحياتية العادية مثل التحدث بالهاتف أو التعامل مع الكهرباء وغيرها من المهام، وفي المقابل نجد راهبات بدير لا يتحدثن بفعل نذرهن بالصمت لتمجيد روح مريم العذراء.

جيل جديد

من خلال الجيل الجديد ممثل في الراهبة الشابة التي تتطوع لمعاونة اليهود في مقابل الراهبات الكبار اللاتي لا يحبذن هذا ويفضلن البقاء محافظات على نذورهم للسيدة العذراء، يتسقرئ المشاهد ما يقدم المخرج الشاب باسل خليل من رسالة حول تعامل الجيل الجديد مع القضية الفلسطينية، التي يجد التعايش جزءًا لا يتجزء منها، تلك الراهبة التي تضحي بنذرها لإنقاذ مجموعة من الشخوص دون النظر إلى ديانتهم أو أفعالهم، تجسد معها المعنى الحقيقي لسماحة الدين المسيحي، وتوضح وجهًا جديدًا للتعامل مع القضية الفلسطينية.

وكما يقول المثل «شر البلية ما يضحك» يقدم الفيلم كوميديا رمادية اللون ليست سوداء قاتمة ولا ناصعة البياض، بل كوميديا تشغل العقل وتخاطبه بما يرى من مواقف إنسانية بحته، تجرده مما يحمله من مخزون عن القضية الأطول عمرًا وهي الأزمة الفلسطينية، مع هذا لا ينكر المشاهد العربي على وجه خاص استحضار القضية الفلسطينية بين حين وآخر، مع هذا يظل البعد الإنساني مخيمًا على الموقف ككل.

الحاضر الغائب

تتمثل القضية الفلسطينية في ملامح التعايش التي تكمن في العلاقة بين اليهود والمسحيين والتعاون الذي يقدمه المسحيون لليهود حتى يستطيعوا العودة من حيث أتوا، من خلال تصليح سيارة كانت لإحدى الراهبات ومدهم بما يحتاجون من مساعدة.

وبالنظر إلى قضية الفيلم بهذا الشكل سنجد أن مفهوم التعايش هو الذي يخيم على ملامح القضية الفلسطينية أو بمعنى آخر قضية الحياة التي تشغل الجميع ويتغير معها وجه حياة هؤلاء الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة بعضهم بعضًا فإنما أن يتعاونوا للنجاه أو يظلوا بعيدين.

مخاطبة اللامألوف هو عنوان فيلم «السلام عليك يا مريم»؛ إذ لا حروب ولا رصاص ولا دماء، كل ما يراه المشاهد هو مفارقات كوميدية تحمل تساؤلات حول مأساة التعايش التي يراها الطرفان جزءًا من الحياة اليومية التي لا تنتهي، وأتى نص المؤلفين «باسل خليل» و«دنيال خليل» شفافـًا مقدمًا وجهًا خاصًا لمفهوم المعايشة والحياة بين الفلسطينين واليهود، واستطاع أن يقدم نصًا كوميديًا ثريًا به كثير من الصمت وكثير من المواقف الصاخبة بالانفعالات.

حبكة الفيلم البسيطة والعميقة في آن واحد ترمي بظلالها على مكونات الشريط السنيمائي ككل، إذ يأتي التصوير بالفيلم للمصور «إريك ميزراحي» ملائمًا مع مفهوم كوميديا الموقف التي تولد الضحك مما يراه المشاهد لا ما يسمعه فقط، لهذا تلاءمت حركة الكاميرا متنوعة الكادرات وأكملت بدورها الضحك من الموقف، لتلعب دورًا مهمًا لراوي عليم بكل شيء، لا يميل إلى أي من الطرفين.

شريط سينمائي

موسيقى الفيلم لـ«جيمي سيرافي» لم تخل هي الأخرى من الطرف والخفة لتعبر عن الفيلم بطريقة صوتية، تأتي كضيف غير ثقيل يقدم بدوره الحكاية الكوميدية التي تناقش قضايا غاية في التراجيديا والعمق، مستخدمًا جملًا موسيقية بسيطة ذات طابع بشري وتستقي من روح الكنيسة بعضًا من نغماتها.

ومن أفضل عناصر الفيلم المونتاج الذي تولى مهمته المخرج باسل خليل، حافظ من خلاله على إيقاع الفيلم وتوازنه، ورغم أن 15 دقيقة مدة قصيرة إلا أن المونتاج خلق حالة من التكثيف والاختزال ليقدم قصة مترابطة الأطراف استطاع معها المشاهد أن يتوغل بها دون الانغماس مع معاناة الشخصيات.

التمثيل بالفيلم من العناصر المهمة، وما يستشعره المشاهد من الفيلم هو عدم هيمنة الممثلين، بل إنهم يتحركون ليقدموا قصة هي البطلة في الفيلم، وما هم إلا أدوات لتوضيحها، مع هذا لا يقل حضور الممثلين الذي كان مهمًا ومن أبرزهم الراهبة الشابة التي لعبت دورها الفنانة الفسلطينة «ماريا زريك»، كما لعبت الفنانة الفسليطينة هدى الإمام دور الراهبة الكبرى التي تتمثل بها المعادلة الصعبة بين معاونة الآخر والتكفير عن تلك المعاونة بالصلاة، بصورة عامة جاء التمثيل متوازنـًا ومقنعًا للغاية رافعًا شعار «السهل الممتنع».

مخرج الفيلم «باسل خليل» الذي يخطو خطواته الأولى في عالم الفن السابع يوضح أنه يحمل رؤية سينمائية حقيقية تبشر بمخرج يستطيع أن يقدم أعمالا ذات قيمة ورؤية جديدة ومختلفة عن قضايا ما تزال تشغل العالم العربي، بصورة غير نمطية.

استطاع الفيلم افتحام عالم المهرجانات من خلال عرضه في مهرجانات عالمية مختلفة على رأسها مهرجان كان السينمائي الدولي، ومهرجان برلين للأفلام القصيرة، ومهرجان دبي السينمائي الدولي، وكذلك اوسكار أفضل فيلم قصير، ومع مروره على جمهور عشرة مهرجانات استطاع حصاد أربعة جوائز أغلبهم صب في خانة أفضل فيلم وأفضل مخرج.

يبقى الوضع على ما هو عليه

هذه هي اللافتة التي يرفعها فيلم السلام عليك يا مريم إذ يظل كل من الطرفين حبيس الصمت أو الامتناع رغم محاولات التعايش التي تهدف لتخليص النفس من وجود الآخر بحياته، إلا أن التكفير عن هذا التعايش حاضر وبقوة، وهو ما يشير إلى استمرار الصراع الصامت على بركان من الأطلال، ليتساءل المشاهد في النهاية هل «السلام عليك يا مريم، سلام أم استسلام للواقع»؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مريم
عرض التعليقات
تحميل المزيد