ملك الملوك، نور العالم، الأسد القاهر من سِبط، ويهوذا المختار من الله، كلها ألقاب لقب بها الإمبراطور الإثيوبي تلفري مكونن، الذي اتخذ لنفسه لقب هيلا سيلاسي الأول عندما صعد إلى العرش. ويعني ذلك باللغة الأمهرية: قوة الثالوث.

زعيم أقدم إمبراطورية في العالم والوحيدة التي استطاعت الحفاظ على استقلالها، كما أنه ينتمي إلى عائلة حاكمة يقال أنها تنحدر من الملك سليمان وملكة سبأ.

ولد هيلا سيلاسي يوم 23 يوليو (تموز) 1892 بمدينة  هرار بإثيوبيا، وفي سنة 1906 توفي أباه راس ماكونن وتركه تحت رعاية الإمبراطور منليك الثاني.

إرادته الحديدية وشغفه للدراسة ساعدوه على التغلب على الصعوبات والوصول إلى اتفاق مع ابن عمه أياسو (وريث عرش منليك الثاني)، وبذلك العودة والحصول على مقاطعة والده هرار في مارس (آذار) 1910. وخلال الحرب العالمية الأولى تمت الإطاحة بأياسو لتستولي عمة السيلاسي على العرش الإمبراطورة زيوديتو، وبعد وفاتها ترأس هيلا السيلاسي الحكم لكي يكون إمبراطورا لإثيوبيا يوم 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1930.

لماذا يعتبر سيلاسي أول قائد أفريقي عامله الرجال البيض بقدم المساواة؟

سعى هيلا سيلاسي لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ببلده، وطور سياسة التحديث التي أطلقها الإمبراطور منليك الثاني. ففي سنة 1923 بالعاصمة جنيف دافع عن إثيوبيا قائلًا، إذا كانت الصدفات الجغرافيا و التاريخية قد عزلوها عن المجتمع الغربي لعدة قرون، فهي مع ذلك حساسة لقيمها، وتعتزم الوفاء بالواجبات نفسها تجاه المجتمع الدولي؛ ليتم السماح لإثيوبيا إلى الانضمام إلى عصبة الأمم في 28 سبتمبر (أيلول) 1923.

كما قام بإصدار مرسوم أول دستور للبلاد سنة 1931، وقام بقمع عدة ممارسات قديمة كالعبودية وغيرها.

فبدأ سيلاسي بنشر التعليم والتحسين من وسائل الصحة في إمبراطوريته إلى سنة 1935 حين قررت حكومة موسوليني غزو إثيوبيا من ارتريا و الصومال، قاد هيلا سيلاسي جيشه بنفسه أمام العدو، لكنه هزم أمامهم نظرًا لقلة التسليح وتعاون بعض اللوردات مع الايطاليين. ثم قرر الفرار، بالاتفاق مع مجلس الوزراء وبعد تعيين نائب الملك (رأس آمرو)، إلى السودان، ثم إنجلترا.

في 28 يونيو (حزيران) من نفس السنة استصرخ سيلاسي عصبة الأمم، وطالب مساعدتها؛ فأعلنت عصبة الأمم أن إيطاليا دولة معتدية، وقررت فرض عقوبات عليها في مارس من سنة 1936، فتعهد سيلاسي بتحرير إثيوبيا. فبدأ ضمه اللاجئين الإثيوبيين في كنيا والسودان ثم قام بالذهاب إلى الخرطوم في يوليو 1940 (بعدما أعلنت إيطاليا للتو الحرب على الحلفاء) لكي يقوم بالوصل والتنظيم بين قواته والجيش الانجليزي،فدخل إلى عاصمته في مايو (أيار) 1941 ليحقق النصر بمساعدة من الجيش الإنجليزي وبدعم من القوات الفرنسية الحرة.

عند رجوعه إلى العرش لم يكن بالأمر الهين، كان هيلا سيلاسي عازمًا بالاستمرار بمهمته فقام بعدة إصلاحات، وبالعديد من الرحلات إلى الخارج، فأصبح مثالًا يتخد به في العالم الثالث وأفريقيا على وجه الخصوص. (دون أن ننسى منظمة الوحدة الأفريقية التي أنشئت سنة 1963 بمبادرة منه ومقرها في أديس أبابا).

لم يتوقف سيلاسي هنا فقد زاد من جهوده لتحسين وتعزيز وحدة أثيوبيا وفي سنة 1952 حظي بموافقة هيئة الأمم المتحدة لضم غريتريا لإثيوبيا، لكن ظل يواجه عدة صعوبات أخرى.

في 13 ديسمبر (كانون الأول) من سنة 1960 قام الأخوان منغستو وجيرمان نيوي باستغلال غياب هيلا سيلاسي الذي كان مسافرًا إلى البرازيل بمحاولة الانقلاب عليه، وقد قاموا بأخذ عدة شخصيات مهمة منهم بضع وزراء كرهائن، واستولوا على جل العاصمة، لكن سيلاسي كان لهم بالمرصاد، واستطاع أن يعيد عرشه في ظرف لم يتجاوز أربعة أيام.

ربما كان سيلاسي أول قائد إفريقي عامله الرجال البيض بقدم المساواة، وأول رجل تمت التضحية به باسم الهدنة. لقد تعلم أن لا يثق بأحد ومع ذلك فاز باحترام العالم. فهيلا سيلاسي كان من الشخصيات التي لطالما دافعت عن أفريقيا كقارة موحدة، وكان هدفه الأساسي هو نشر السلم وضمان الحقوق لجميع الأفارقة.

والخطاب الذي قام به سنة 1936 في عصبة الأمم ضد التمييز العنصري كان درسًا لكل العالم:


ما دامت هناك فلسفة تميز بين العروق، ولم يتم إهمالها وتخليصها نهائيًا، وإلى
الأبد. طالما لا يزال هناك بعض المواطنين من الدرجة الأولى والثانية في دول
معينة؛ طالما أن لون بشرة الرجل ليس له أهمية أكثر من لون عينيه. ما دامت حقوق الإنسان الأساسية غير مضمونة بالتساوي للجميع دون تمييز بسبب العرق، حتى يومنا هذا، سيبقى حلم السلام الدائم والمواطنة العالمية وقاعدة الأخلاق الدولية مجرد وهم هارب يلاحقه المرء دون أن يصل إليه. وطالما أن الأنظمة الخسيسة والشريرة التي استعبدت إخواننا في أنغولا وموزامبيق وجنوب أفريقيا لم يتم إسقاطها وتدميرها، وطالما أن التعصب والتحيز والحقد والمصالح الشخصية لم يحل محلها التفاهم والتسامح وحسن النية، طالما أن جميع الأفارقة لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم كأي إنسان حر، متساوون في أعين جميع الرجال كما هم في نظر الله. حتى اليوم، لن تعرف القارة الأفريقية السلام. نحن الأفارقة سوف نقاتل إذا لزم الأمر، ونحن نعلم أننا سنفوز، ونحن نثق كثيرًا في انتصار الخير على الشر.

احتفظ دائمًا بمكانة كبيرة في عيون شعبه وحتى في عيون خصومه، فكان على الإمبراطور مكافحة الإرستقراطية ورجال الدين. نجح في الواقع بتركيز السلطة بين يديه، لكن أصحاب الأراضي (الذين يؤيدهم ماديًا) والكنيسة شكلوا العقبات الرئيسة لمبادرات الإصلاح في عصره.

الوحدة الإثيوبية كانت مهددة من قبل جبهة التحرير الإريترية، التي كانت تكافح السيادة للإمبراطور منذ عام 1961. ومن المؤكد أنها ليست مستعدة للتخلي عن هذه المقاطعة الساحلية، وهو الباب الوحيد الذي تمتلكه إثيوبيا لتبادلها مع العالم الخارجي، على الرغم من كل هذه الصعوبات، وجد هيلا سيلاسي، الذي لا تزال هيبته الدولية عظيمة، نفسه قادرًا، رغم أنه كان في الثمانين من عمره، على الحفاظ على استقرار بلده لفترة طويلة.

في سبتمبر 1974، تم فصل الإمبراطور من قبل الجنود وضباط الصف؛ لكي يكون حتفه على أيادي المتمردين في 27 أغسطس (آب) 1975.

ما علاقة هيلا سيلاسي بالحركة الراستافارية؟ (Rastafari)؟

 الحركة الراستافارية هي حركة اجتماعية وثقافية وروحانية تطورت في جامايكا في ثلاثينيات القرن العشرين، بعد تتويج الإمبراطور هيلا سيلاسي عرفت الحركة ازدياد أتـباعه. في نظر البعض الراستافارية هي ديانة، وفي نظر الآخرين فلسفة أو إيديولوجية.. فهم يتصورونها كنمط حياة، ويسمون أنفسهم الراستافاريون.

من بين أتباع حركة الراستافارية، حركة روحانية تطورت في ثلاثينيات القرن الماضي في جامايكا تحت تأثير ماركوس غارفي العودة إلى أفريقيا ووصايا ليونارد بيرسيفال هويل، يعتبر هيلا سيلاسي نبيًا أسود سيقود المغتربين والشعوب الأفريقية إلى الحرية. يعتقد العديد من الراستاس أن سيلاسي لا يزال على قيد الحياة، وأن وسائل الإعلام التي تدور حول وفاته هي جزء من مؤامرة لتشويه روحانيتهم، ويقول آخرون إن جاه، أي الإله، لا يزال حيًا.

(مع العلم أن سيلاسي لم يدع يوما أنه نبي أو إله فهو كان مسيحيًا أرثوذكسيًا، ولكنه كان دائمًا ما يشعر بالمودة مع الراستافاريون ورغبتهم في العثور على جذورهم الإفريقية).

ففي سنة 1976 قام المغني الشهير بوب مارلي بكتابة أغنية الحرب (War) كلماتها مستوحاة مباشرة من الخطاب الذي
قام به سيلاسي سنة 1936 في عصبة الأمم ضد التمييز العنصري.

الحرب في الغرب.. الحرب في الشرق.. الحرب في الشمال.. الحرب في الجنوب.. كل مكان هو حرب

للأسف سيلاسي لم يكن محظوظًا لسماع هته الأغنية التي لطالما اعتبرها الراستافاريون رمزًا لقضيتهم وفخرًا لهم.

 فهل يا ترى الإمبراطور هيلا سيلاسي كان حقًا إلهًا؟ أنا شخصيًا لا أعتقد ذلك، ولكن لا يجب علينا أن ننسى أنه بفضله استطاعت إثيوبيا أن تكون الدولة الإفريقية الوحيدة التي حافظت على استقلاليتها، فهيلا سيلاسي لم يكن إمبراطورًا عاديًا، ولكنه كان يتسم بعزيمته القوية وغيرته على بلاده وخاصة بتواضعه وحبه لشعبه.

هكذا فاز سيلاسي باحترام العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Ma Vie et les Progrès de l'Ethiopie de 1892 à 1937, de Haile Selassie
A la Découverte de l'Ethiopie, Addis Abeba.: Rencontre avec la Famille Impériale (A la Decouverte de l'Ethiopie t.
CAMION BLANC: BOB MARLEY Une histoire jamaïcaine
Le discours de Haile Selassie Ier à la Société des Nations
عرض التعليقات