قد يكون هذا النفور، الذي نلاحظه بين بعض السوريين من د. هيثم مناع مفهومًا، بل مشروعًا؛ ذلك أن الرجل آثر أن يغرد بعيدًا عن كل ما هو نظري، وما هو انفعالي، وما هو مرهق دون أي جدوى، وربما هذا النفور من مثل هذه الشخصية علامة على ضعف غياب الحس الوطني السوري الواعي غالبًا.

لكن الرهان في سوريا عمليًّا مبني في العمق على أساس الكرامة والقرار الوطني، إذ إن الواقع المأزوم أفضى إلى التفكير جديًّا في مصداقية ما ينادي به د. هيثم مناع ومشروعيته.

مقومات أساسية في المنهج الحقوقي عند د. هيثم مناع

إن الرهان حول شرعة حقوق الإنسان، دليل على حيوية فكر الدكتور هيثم مناع.

فكر منفلت من كل تحديد غير سوري ويعكس دينامية فكر مناع الذي يعي دوره في:

  • بناء ذوات حرة ومستقلة.
  • وفي إبداع إمكانات جديدة للحياة.
  • فكر يؤمن إلى أقصى حد بسوريا كما هي، في دفقها، وقدرتها، وصوتها، وصورتها، لا كما يريد المتوحشون الذين يتصارعون على الأراضي السورية.
  • من هنا تصبح شرعة حقوق الإنسان نوعًا من العلاج لأمراض الإنسان السوري، ومقاومة لأشكال الزيف التي تطبع الفترة الراهنة، والوصول إلى التحرر الذهني.

وتأخذ عن ثقافة حقوق الإنسان تدبير المجتمع، أي ربط الحرية ببعدها السياسي وإقحامها في الشعور الإنساني، وربطها أيضًا بتصورات مغايرة عن الفعالية الإملائية.

1. الإنسان السوري لا يكون حرًّا بصوت السلاح، ولا من خلال القمع، هذه الذات الإنسانية ما دامت حبيسة أطر إخضاع وقهر لن تنجب حرية.

2. لن تتحقق سوريا الحرة إلا من خلال ممارسات تحررية تنبع من وعي الراهن، والتزام السلمية، ونبذ ثقافة الكراهية والعنف.

3. إن اختلاف التصورات حول موضوع الثورة السورية يعكس خصوبة فكر قلق ومنقسم حول إمكانية التحقق والوصول إلى الغاية.

في فكر د. هيثم مناع على الإنسان قبل كل شيء أن يتعلم أن يعيش، ويفهم ويدرك التصرف في الحياة، محافظًا على ذلك التوافق الضروري بين شكل منفتح للذات، وتاريخ منفتح لا يقبل مسبقًا القوانين الثابتة التي تمليها القوة المتصارعة على الأراضي السورية.

4. هدف التفكير الحقوقي ليس هو وضع قوانين الدم فوق الصلح، بل اكتشاف أشكال جديدة لتجاوز ما يزرع في الوعي السوري من تمجيد للدم والطائفية.

في حالتنا السورية المعقدة والمحتقنة، هل يسمح وسطنا الاجتماعي والسياسي ببروز تفكير حقوقي يخاصم السياسة، ويتعالى على إغراءات اليد الخارجية، ويلتزم الأخلاقية والسياسية والتاريخية والوطنية؟

وما إرادتنا في تكريس ثقافة حقوقية تعارض أشكال التسلط والإخضاع والإكراه؟

إن تزايد الحديث في السنوات الأخيرة حول الاستبداد وغياب الحريات بالمفهوم القانوني، يعد صدى لصيحة د. هيثم مناع الذي كان سباقًا، وكان يفكر وبقوة في تحليل آليات عمل السلطة ومفعولاتها، وتاريخ تشكل عقلية الطغيان.

ذلك أن أي تفكير في الحرية، هو تفكير بالضرورة في السلطة ووضعيات الهيمنة وتاريخ تشكلهما.

هذه الفكرة تكاد تكون غائبة عن التصورات السائدة في المشهد السوري قبل الثورة وبعدها، باستثناء بعض اللوامع، ولكن شعلة هيثم مناع كانت حارقة؛ إذ عرى التجربة الأسدية.

وحول الأشكال «المرضية» للسلطة في فهم الدكتور هيثم

نستطيع فعلًا التأكد من أن كل فاشية تتميز بإنكار الفرد ومحوه، وهي تتحدد بالضبط بغياب أي حرية؛ فليس للأفراد حق الممارسة الشخصية بحرية، فإذا كانت الحرية ترتكز على تأسيس علاقة متينة مع النفس والوصول إلى أخذ قرارات شخصية، فبالنسبة للفاشية، يعني التخلي عن كل اختيار شخصي، فهي تضع وجودها الفعلي بين يدي المتسلط الذي يملي على الفرد في كل الحالات، وفي التفاصيل الصغيرة، ما يجب عمله.

الحريات والكرامة هما منذ زمن بعيد أعداء الفاشية:

يقول د. هيثم مناع:

«أعطت الحرب للرئيس ما كان ينقصه لترسيخ عبادة الشخص في المجتمع فأصبح بطل تشرين.

كان مشروع تحويل البلاد لعائلة بطريركية كبيرة قيد العمل. الوطن بحاجة لبطل، الحزب بحاجة لقائد، الأمة بحاجة لأب، وسيصبح شخص الرئيس القائد يومًا بعد يوم من المحرمات. كان من الممكن للغاية تناول الأب والابن والروح القدس بأقدح العبارات، ولكن من المستحيل ذكر سيادة القائد بدون هالة التمجيد المبالغ بها.

يكفي أن تطلق اسم الرئيس على أحد المشاريع حتى يحصل على التسهيلات الإدارية اللازمة، وها نحن ذا أمام «قهوة السيد الرئيس، سينما السيد الرئيس، بحيرة الرئيس، سد الرئيس و… ومجازر السيد الرئيس».

لم يفهم القائد وأزلامه أن هنالك فرقًا بين الاحترام الواجب منحه للمسئول و«حق» الازدراء والإذلال والإخضاع المفروض على مجتمع بأكمله.

ليس هناك وجود لأي نوع من الاحترام دون سلطة قمعية، وإذا كانت المعرفة والأصول والذكاء هي المنابع الّتي تستقي منها السلطات الاستبدادية، فإن السيد الرئيس استجلب وحيه الأعلى من القوة الغاشمة»

هكذا كان تصوره عن السلطة والحكم، وفي جانب آخر لم يهادن فقرر أن «مسألة الإسلام السياسي لا يجوز خلطها بمواضيع الإيمان والاعتقاد. وأن من الضروري فك الارتباط بين المسلم والإسلامي. وأن من الضروري مقارعة الأحزاب الإسلاموية بنقل المعركة من السماء إلى الأرض، ومن الغيبيات إلى العقلانيات، ومن الأسطورة إلى الوقائع الملموسة». من كتابه منبوذو دمشق.

هيثم مناع اسم إشكالي، في عالم اعتاد على الرتابة الفكرية والاصطفاف الحدي

لا يعرف الرجل ثقافة الآبائية وتقبيل اليد واللعب على اللحى، كما أنه ليس وقارًا للاستبداد، ولا يمجد غير السلم والإنسانية والعقل وشرعة حقوق الإنسان.

يقول د. هيثم: «لكي نحارب التعذيب يجب علينا القيام بثورة ثقافية حقيقية، ثورة حضارية تكون كفيلة بتغيير العالم والدساتير والإنسان، ثورة تكون كفيلة بتحويل السجون إلى متاحف. ثورة تعطي حرية التعبير للأصدقاء والأعداء على حد سواء، إننا بحاجة إلى ثورة إنسانية».

ربما تختلف معه، وهذا حقك، لكنك لا يمكن إلا أن تحترمه.

ما زلت أذكر وأنا واحد من تلامذته في دوراته التعليمية الحقوقية، قوله: «يا علاء إن إدارة الصراع لا يكون بالمزيد من الشرفية والتخوين والاقتتال الداخلي، بل بالتواضع والتواصل ورفض أن نحول أنفسنا إلى مسطرة لقياس شرف الآخرين».

ثم يتابع قوله: «هل تعرف ما نهاية أي صراع؟ الجلوس على طاولة الحوار والاتفاق بعد هدر الدم!».

شقي هذا المجتمع الذي آمن بالدم ربًّا وكفر بالإنسان كرامة.

هذا الفلاح السوري الأصيل ابن حوران «وُلد في السادس عشر من مايو (أيار) عام 1951 يوم الأربعاء في مدينة درعا».

خلع الطفل عنه الطفولة باكرًا، وتوجّب عليه ولوج عالم الكبار. في عام 1957، حمل العلم الجزائري مع أطفال آخرين؛ ليشارك في جمع المال لجبهة التحرير الوطنية الجزائرية. وفي عام 1958، رقص وغنى مع الكبار ليحيي الوحدة بين سوريا ومصر.

أبصر هيثم التطور العالمي في الثقافة الحقوقية، وجهل بلاده بهذه الثقافة فكان حورانيًّا بلون سوريا وكان عالميًّا براية إنسانية، وكان وطنيًّا بسماء حقوقية.

تضعنا تجربة هذا المواطن العالمي في مأزق حقيقي بين السياسة وحقوق الإنسان، فقد استطاع هذا المنفي في أوروبا من تأصيل إيمانياته وتجربته الحقوقية، التي بدأت بكسر أصاب قلبه عندما شاهد والده يحاكم في أمن الدولة في سوريا.

وعلى الرغم من رحيله إلى الغرب فقد «كان من الصعب عليه في بلده أن يتكلم بشكل ملموس عن الخبز والحرية، عن المساواة بين الجنسين، عن المساواة بين المسلمين وغير المسلمين، وعن العقوبات الجسدية، وعن اختلاف المناهج الاقتصادية وفكرة التعددية السياسية».

رغم عيشه في المنفى، فإنه لم يتجاوز عراقة نسبه العربي؛ فجمع بين عروبته والتطور الفكري والثقافي للمجتمعات الأوربية، والذي رافقه آنذاك توسع في ظاهرة التمدن، نتيجة بزوغ مجموعة من المدن الكبرى، أدت إلى ظهور إطارات مدنية، تتبنى أشكالًا نضالية أقل عنفًا، وتركز على السلمية، للتعبير عن مطالب بعض الفئات الاجتماعية مثل: الجمعيات والنقابات.

يقول د. هيثم مناع: «الجانب العالمي كان دائمًا موجودًا في حياتي. ذلك الجانب الذي رفض مبدأ الحدود، واعتبر أنّ كلمة «الفعل» ليس لها لون أو عرق أو جنس أو مكان».

تجربة ابن حوران تضعنا دومًا في أهبة الاستعداد للطوارئ؛ فمعاركه متجددة ومتغيرة ولا تعترف بحدود.

يقول د. هيثم: «أنا من مدرسة ذلك الروسي المنفي المعادي للستالينية، الذي حارب ستالين عندما كان حيًّا وكرّس نفسه للفلسفة بعد موته.

أنا معه حينما يقول: «يجب علينا أن نقضي على الحكم الاستبدادي قبل اختفائه طبيعيًّا، وإلا فإن المثقف الملتزم سيشارك في إعادة إنتاج هذا الحكم الاستبدادي، وإن بأشكال أخرى».

من الصعوبة أن يصنف الدكتور هيثم مناع فكريًّا؛ فهو مزيج من اليسار وحقوق الإنسان والعروبة والإسلام، يسور ذلك بخلق إنساني وثقافة حقوقية عميقة.

كثيرًا ما يضعك د. هيثم مناع في مأزق فكري ووجودي، عندما يؤكد على أن الرغبة في العيش وفق مفهوم متسلط، أو قومي متعصب، أو ديني متطرف، أمر مستبعد وغير قابل للتطبيق، بل من الصعوبة أن تجد هذه النماذج مكانًا مناسبًا في حياتنا المعاصرة.

لقد نذر الرجل حياته كلها في سبيل ذلك، وكان مدركًا أن الله لا يحتاج إلى من يدافع عنه، لكن دفاعك عن الإنسان وحقوقه أكبر مظهر لاحترامك وإيمانك بربك.

عمل هيثم مناع على إنجاز المهام التالية

أولًا: العمل على الانفكاك من رهق التصورات البدائية لإدارة علم الاجتماع البشري في بلادنا، وكذلك التصورات السياسية الحاكمة، من خلال محاربة الأطر التقليدية المدمرة السائدة، وهذا ما يفرض علينا التفكير في الوجود كما هو في تعدده وانفتاحه، لا كما صاغه الفكر الوثوقي والرؤية الأخلاقية النافية للفكر وللحياة الملونة.

ثانيًا: مقاومة الحاضر المستبد عبر نقد كل مظاهر الارتكاس وابتذال الحياة، مع سيطرة منطق السوق على الفضاء الاجتماعي وتشييء الكائن البشري وفقدانه لحريته.

ثالثًا: العمل على بناء وسط اجتماعي وثقافي وسياسي، يسمح بالتقاء الإرادات القوية والحرة، للتعبير عن ذاتها واختياراتها عبر إبداع القانون والشرعية الحقوقية التي تسمح بتنظيم الإمكانيات، وتجريب القدرات، واتخاذ القرارات بعيدًا عن أوامر وإملاءات أي سلطة سياسية، أو أخلاقية، أو دينية.

واجه المناضل الإنسان مناع صعوبات وخصومات عميقة في المجال السياسي، فلم يسلم منه الرأس السياسي في سوريا من النقد كما ذكرت سابقًا.

يوجه مناع نقده لأولئك الذين يتعرضون لمفهوم السياسة، لكن سرعان ما يختزلونها، ليخوضوا في الحديث عن مفاهيم تقرب من الشللية، والحزبية، والرهق العنصري الطائفي أو القومي، من غير أن يمزجوا بين سياستهم وبين شرعة حقوق الإنسان، فيرون على سبيل المثال أن الوطنية في التابعية للممول، وأن التدين في الطائفية، والقومية في محاربة الوطنية.

قد تختلف مع د. هيثم مناع، وهذا حقك، ولكن لن تستطيع الذاكرة السورية ولا التاريخ التنكر لرجل جعل حياته «لا» كبيرة في وجه التطرف والاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست