تطبيق رقمي يتحكم بالإنسان. ويحدد له مدة زمنية لتنقلاته هو «توكلنا» وفي المقابل لم يعد أداء الصلاة بالمسجد النبوي الشريف والبيت الحرام أمرًا سهلً، ا بل بات أكثر تعقيدًا مع خوارزميات تطبيق «اعتمرنا». وفي موسم الحج لهذا العام ارتدى الحجاج أساور رقمية، وبطاقات ذكية، واستخدموا تطبيقات صحية، وخرائط حددت لهم المسارات اللازمة للتنقل بسهولة داخل المشاعر المقدسة. وإنترنت عالي السرعة حول الكعبة، وسقيا زمزم بطرق حداثية بواسطة الروبوتات، وأحجار معقمة للجمرات، كل هذه التقنية طُبقت بموسم الحج في ظل وباء كورونا. حتمًا ستؤثر الرقمنة على نوع الحج مستقبلًا؛ مما يفقده طابعه البسيط الذي توارثه المسلمون عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وسيفقد المسلمون روحانيتهم.

واختلف الحج في ظل هذه الرقمنة عن الحج التقليدي قبل وباء كورونا، بسبب كوفيد-19، الذي ساعد على تنفيذ هذا المشروع الحداثي الرقمي بشكل أسرع.

وترتبط التقنية بثقافة ما بعد الحداثة، التي يصاحبها أيضًا مفهوم الرأسمالية وما يرتبط بها من إشكالات فلسفية تتنبأ بهيمنة الشركات على الأماكن المقدسة مُستقبلًا واستحالة أداء الحج إلا بواسطة مبالغٍ مالية مضاعفة!

الحج بآليات رقمية

استطاع 60 ألف حاجٍّ من المقيمين والمواطنين بأن يحصلوا على التصاريح اللازمة لأداء فريضة الحج لهذا العام؛ نظرًا للظروف الراهنة لوباء كورونا كوفيد-19 اختيروا من بين: 558 ألف شخصٍ، سجلوا في البوابة الإلكترونية للوزارة.

وكان عدد الحجاج في عام 2019 أكثر من مليوني شخص حضروا الحج قبل انتشار الوباء. بينما كان العدد أقل في العام الماضي بسبب الإجراءات التي فرضها كوفيد-19 على الدول وتدابير الصحة العالمية.

وشروط الاختيار كانت على أساس استكمال جرعات اللقاح ضد كورونا؛ بالإضافة إلى خلو المتقدم من أي أمراضٍ مزمنة. كما أن معيار  السن تم إدراجه؛ بعد تحديد سن المتقدمين،    وأن تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 65 عامًا.

وتم الاعتماد على التكنولوجيا لخدمة الحجاج في هذا الموسم، مع تفعيل بطاقة الحج الذكية «شعائر» التي تسمح بوصول الحجاج إلى المخيمات دون تلامس بشري ونقلهم داخل المشاعر المقدسة بلا تدافع.

كما استخدمت السلطات «الروبوتات» لتوزيع ماء زمزم على الحجاج أثناء طواف القدوم؛ تفاديًا لأي ازدحام وتطبيقًا لقواعد التباعد الاجتماعي. بعدها أكمل الحجاج طواف القدوم دون استطاعة الوصول إلى الحجر؛ بسبب استمرار قيود حظر الحجر الأسود.

وأوضحت وزارة الحج بأنه يوجد ثلاث باقات لحج هذا العام 1442هـ «الباقة الأولى أبراج بسعر 16.560، والباقة الثانية مخيمات بسعر 14.300 والباقة الثالثة الضيافة وسعرها 12.112 ريال» والأسعار غير شاملة لضريبة القيمة المضافة.

فريضة الحج عبادة عظيمة

في شهر ذي الحجة تنقلب الأرض إلى مساحة من الجنة؛ فيجتمع المسلمون تحت رحمة الله. وتأتي بركات كثيرة في هذا الشهر الذي تمضي أيامه بنسائم الرحمة وأنهار المغفرة فتهبط من السماء لتعبر الأرض متجهةً إلى قلوب المسلمين بيوم عرفة.

ومنذ كان العرب في عصرهم الجاهلي لم يكن الحج مُنظَّمًا. وقد عرف الناس الكعبة بشكلها البسيط. ولم يكن المسجد الحرام إلا ملكية عامة؛ والأمر ذاته ينطبق على باقي الأماكن المقدسة.

ثم صار الحج فريضة إسلامية؛ ورُكنًا خامسًا ضمن الأركان الخمسة التي بُني عليها الإسلام. والحج عبادة مهمة في الإسلام. لذا تُرك أداؤها بحسب القدرة.

والحج من الفرائض الإسلامية التي تُعزز طائفةً من القيم والأخلاق. يتغذى بها الأفراد عند أدائهم هذه العبادة وتبعدهم عن منازعات الحياة وتعيد بناءهم النفسي والروحي.

ففي هذه الأيام المباركة يقوم الدين الإسلامي من خلال فريضة الحج بعملية تربوية تُعيد المسلم إلى نظامه الأخلاقي وطبيعته التي فطره الله عليها، فيستعيد بذلك قيمه الأخلاقية من جديد.

ووظيفة الحج الكبرى: إبعاد الفرد عن المادة. واعطاؤه شعورًا بأنه إنسان مفارق للطبيعة، وسيد بهذا العقل الفذ المسخر لفهم الطبيعة فهمًا دقيقًا؛ فهو عقل متعالٍ على الطبيعة ومتفرد بإنسانيته في الكون.

هكذا طرح الإسلام نظريةً ساميةً حول شكل الإنسان الذي تعامل معه بنوعٍ من التكريم والتفضيل؛ وتتضح تلك النظرة بملابس ضيوف الرحمن البيضاء يرتدونها لتأدية مناسك الحج.

الحج إذن مشروعٌ إلهيٌّ عظيمٌ يُراد منه ترويض الإنسان وتهذيب النفس، كما يُعطيها قيمةً روحية للجسد وللمكان وللكون في فريضة وعبادة موسمية تعرف عند المسلمين بالحج.

صعوبة الحج في ظل الرأسمالية

تقوم الرأسمالية على فلسفة المال؛ فهو الذي يحدد كل شيء للفرد ويرسِّخ ثقافةً مادية. وبما أن الرأسمالية تنطلق من المال فإن المال قد بات هو المصدر لهذا النظام الذي أنتج هذه الثقافة المادية المسيطرة والمهيمنة على دول العالم.

بينما جوهر الدين الإسلامي قائم على أبعاد إنسانية. ويمكن فهم تلك الأبعاد من خلال الشعائر الدينية. التي تستوعب جميع شرائح المجتمع وتتغاضى عن حالة الأفراد الاقتصادية، وتتيح سهولة أداء الفرائض على قدر الاستطاعة المالية، وتعذر المسلم في حالة العجز بكل يُسر.

بينما الثقافة الرأسمالية لا تعرف هذه القيم الفضيلة؛ بسبب هيمنة نظريات الصراع الطبقي والبقاء للأقوى، ولا يوجد فيها مكان للفقراء.

والأركان التي بَنى عليها الإسلام شريعته تهدف لبناء مشروعٍ عملي من الأخلاق والقيم بواسطة العبادات التي يقوم بها المسلمون كل عام. ومن تلك العبادات يكتشف المسلمون حقيقة الدين.

وأركان الإسلام تتناقض مع الرأسمالية جملةً. فعندما يكون أداء فريضة الحج مقيدًا بهذه الباقات التي حددتها وزارة الحج والعمرة؛ فإن المعيار أصبح خاضعًا لتحقيق الأرباح من الحج.

وفي الماضي استطاع الناس أداء الحج بِيُسرٍ دون إبرام عقدٍ مع شركة تقدم خدمات مقابل الدخول إلى الأماكن المقدسة للعبادة. ومن مقاصد فريضة الحج تحقيق الزهد والابتعاد عن الحياة الرغيدة لأيامٍ بهدف ضبط النفس.

ومنذ العام الماضي تم تقليص الحج. بعد ذلك أخذ الحج طابعًا رأسماليًّا ممزوجًا بإجراءات بيروقراطية معقدة يُهيمن عليها الذكاء الاصطناعي لتغيير مراسم الحج بطريقة رقمية تصب لصالح التقدم.

وأصبح الحجاج مجموعة من البرجوازيين يطوفون بالكعبة ويقدم لهم الروبوتات مياه زمزم أثناء الطواف، ويستخدمون التطبيقات في عملية التنقل بين المشاعر المقدسة بواسطة هواتف ذكية، وتتم مراقبة صحة أجسامهم من خلال بعض البرامج الصحية.

وطيلة أيام الحج تقدم وجبات رئيسة شهية. ويقيمون بأجنحة راقية ومخيمات معدة بأجهزة تبريد عالية. ويستخدمون أحجارًا معقمة لرمي الجمرات ثم يلتقطون «سيلفي» مع الكعبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد