وذكر فان الذكري تنفع المؤمنين. (الذاريات 55).

قبل أن نبدأ في عرض الفكرة، لابد أن نمهد للموضوع بحديث عن معنى الوفاء والحج.

الوفاء لغة: العمل بما اتفق عليه، يقال: وفي فلان بعهده، أي عمل به وعليه، فإن الوفاء: هو العمل بما التزم به الإنسان، واتفق عليه عملًا تامًا لا يلحق نقص في أي جانب من جوانبه.

والوفاء في المفهوم الإسلامي: يقتضي وجوب العمل بما عاهد الإنسان نفسه عليه، بما لا يخالف الشرع، سواء كان هذا العهد بينه وبين الخالق أو بينه وبين المخلوقين.

الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وأنزل الله على رسوله قرآنا يتلى ويتعبد به إلى يوم القيامة، إحدى سوره (سورة الحج).

وسميت بذلك لاشتمالها على مناسك الحج وتعظيم الحرمات والشعائر، والحج لغة: حاجه يعني جادله، واحتج عليه أقام الحجة، والحجة الدليل والبرهان، وهذا يناسب ما جاء في السورة من الاستدلال على البعث نظريًا في صورة الوقوف بعرفة، عمليًا، والمعني اللغوي للسورة يعني حج البيت الحرام قصده للنسك.

تعريف الحج: قصد مكة لأداء عبادة الطواف والسعي والوقوف بعرفة وسائر مناسك الحج استجابة لأمر الله، وابتغاء مرضاته السورة بالاسم والمعني والموضوع والظلال الواضحة في ظلال القوة والشدة والعنف والرهبة والتحذير والترهيب، واستجاشة مشاعر التقوى والوصل والاستسلام، كل ذلك بصورة مترابطة متماسكة تدل على الوحدة، كما يدل عليه الحج نفسه، فللتوحيد أقيم هذا البيت من أول لحظة: وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئًا.

الذكريات شأن طبيعي للإنسان وللأحداث في حياة المجتمع أثر بارز يستفيد منها جيل بعد جيل، حيث يتعرف الأحداث والأسباب والنتائج، فإن يكن الحدث جيدًا يسلك سبيله، وإن يكن غير ذلك ينأى الجيل عن مهاوي الضلال والرذيلة من هنا استقر في ضمير المجتمعات التطلع إلى الماضي، والنظر فيه لتعرف عوامل الصعود والهبوط وعوامل الضعف والقوة. والحج حدث يربط الماضي بالحاضر، ويعلن وحدة الدين من لدن آدم حتى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، والقدوة الحسنة أو السيئة نوع من الوفاء.

قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم وما تعبدون من دون الله…

وقوله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. وفي المقابل لما حكاه القرآن عن الأسوة السيئة.

وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون. هذا ما قالته قريش لرسولها الهادي الكريم: أتترك دين آبائك وأجدادك.

لنبدأ الحديث عن ثلاثة أنواع للوفاء، وفي أسرة إبراهيم، الزوجة والولد والأب قمة الوفاء؛ فالوالد يخبر ولده: إني أرى في المنام أني أذبحك. يرد الولد ردًا جميلًا فيقول: يا أبت افعل ما تؤمر.

يقول الله جل في علاه: يا إبراهيم قد صدقت الرؤية. ومن هنا كان الوفاء: وإبراهيم الذي وفى… فقال الله – عز وجل – وفديناه بذبح عظيم. وأما عن الزوجة فنرى في موقفها الثقة بالله والتوكل على الله بقولها. إذًا لن يضيعنا الله، لما تركهم الخليل في الوادي بجانب البيت الحرام.

وفي موقف أصحاب بيعة العقبة عندما أبلوا بلاء حسنًا في غزوة حنين، ولم ينالوا من الغنائم شيئًا.

أراد الله سبحانه أن يختبرهم هم على الشرط أم لا؟

فقد كان شرطي العهد من رسول الله أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم، والشرط الثاني جزاء ذلك الجنة سلعة الله الغالية فنجحوا في الامتحان ورضوا برسول الله قسمًا.

بأمر الله من جوف الصخر ينبت الزرع، لقد بعث الله – سبحانه وتعالى – أبا الأنبياء ليقرر على الأرض نظامًا ربانيًا وسط الوثنية، ولابد للبيان من حجج قوية وفصاحة لسان وكان ذلك سلاح أبي الأنبياء حيث جادل الطاغية، ولكن الله يأتي بالشمس من المشرق فإن بها من المغرب. فبهت الذي كفر. منطق واضح وحجة بينة ودليل ناصع، ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدي ولا كتاب منير، آية من سورة الحج نفسها التي تحمل الحجة والبرهان على إتيان الحشر والنشر فصورته المصغرة لبس الإحرام في يوم عرفة أن غعمال الحج هي البيان العملي للقواعد النظرية المساواة والأخوة ومقاومة الشر، وحسب السلام والخير لكي لا يحدث تناقض بين النظرية والتطبيق. ويعتبر الحج من أفضل الأعمال إلى الله حج مبرور: الذي يقع فيه معصية، وفي الحديث: أفضل الجهاد حج مبرور. من صور الوفاء بالعهد قال صلى الله عليه وسلم: الحجاج والعٌمار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم.

كل الشعائر تهدف إلى تحقيق معني العبودية والإخلاص لله، فالصلاة حج لبيك اللهم لبيك وتوجه إلى الكعبة والصوم حج لبيك الهم لبيك والبعد عن شهوتي الفرج والبطن والزكاة حج لبيك اللهم لبيك والإنفاق في سبيل الله، وفي الحج ذاته صلاة، دعاء، وصوم تجرد عن الهوي والشهوة وزكاة إنفاق (الهدي) وحقيقة التلبية: هي النزوع بالنفس عن عالم الظلم والطغيان إلى عالم العدل والإحسان، وحقيقة الإحرام تجرد من شهوات النفس والهوى، وتجرد من مظاهر الطبقية والعنصرية البغيضة التي بتتبعها يكون قد اتبع الشيطان؛ لأنه أول من قال بالطبقية عندما قال: أنا خير منه. ومن يتبع الشيطان أو غيره فيما حرم الله يكون تحت طائلة الآية. اتبعوا ما أنزل إليكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون. إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ.

وفي خطبة الوداع دعا الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى رعاية الحقوق، وأوصى بالنساء خيرًا وأكد أخوة المسلمين، وحذرهم مداخل الشيطان، ونهى عن أكل أموال الناس بالباطل ونهى عن تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، ودعا إلى الاحتكام لكتاب الله وسنة رسوله والتمسك بها وكأنه – صلى الله عليه وسلم – كان ينظر من وراء الحجب ليصف بدقة ما يحدث من مسلمي القرن الحادي والعشرين وهذا أثر من آثار عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم.

إن الذكريات والأحداث التي مرت بها الأمة الغسلامية منذ قيامها على يد أبي الأنبياء إبراهيم، إن إبراهيم كان أمة. تدل على أنها أمة واحدة ربها واحد ورسولها واحد وقبلتها واحدة وعدوها واحد: إبليس.

فهل صارت الأمة في طريق الوفاء؟

لقد حطم أبو الأنبياء الأصنام شابًا ومشى على خطاه خاتم الأنبياء محمد – صلى الله عليه وسلم – وطهر الكعبة من الأصنام، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا.

ووفاء للعهد علينا تحطيم الاصنام الحديثة …….

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

في رحاب التفسير للشيخ عبد الحميد كشك، من توجيهات الاسلام للشيخ محمود شلتوت، ظلال القرآن للشهيد سيد قطب
عرض التعليقات
تحميل المزيد