لولا أن الزعيم «دينغ» تقلد السلطة في الصين، قبل تقلُد «غورباتشوف» السلطة في الاتحاد السوفيتي، لقيل إن دينغ تتبع أخطاء غورباتشوف، وتجنبها، ولقيل إن الصين نجحت في التحول تدريجيًا إلى آفاق أفضل في الأحوال الاقتصادية أولًا، والسياسية ثانيًا؛ بفضل تجنب أخطاء غورباتشوف في «البيريسترويكا».


ميخائيل

ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم للاتحاد السوفيتي.

لكن هذا لم يحدث؛ فلأول مرة مُنذ «تساو تساو» تظهر الحكمة الصينية المعروفة لدى حاكم صينى؛ فسياسة الصدام السريع التى تبنها غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي للتحول إلى الديمقراطية سريعًا، والقضاء على الفساد، وإصلاح الاقتصاد، فيما يسمى بـ«الجلاسونست» (أي المصالحة والمكاشفة)، ثم المبادرة الأشمل، والأشهر البيريسترويكا (أي إعادة البناء)، أدت في واقع الأمر إلى سقوط الاتحاد السوفيتي، وأصبح غورباتشوف ـ فعليًا ـ رمزًا للاتحاد السوفيتي، لا لأنه المُصلح، كحال دينغ في الصين، ولكن، لأنه أصبح آخر رئيس للاتحاد السوفيتي.

لرُبما كان في صالح غورباتشوف – والاتحاد السوفيتي عمومًا – أن يتعلم من تجربة دينغ في الصين، لرُبما كان الاتحاد السوفيتي قائمًا حتى الآن.

فماذا فعل الديكتاتور الحكيم دينغ ؟

يمكن تلخيص ما قام به الزعيم دينغ بجملة واحدة، قالها «د.عزرا فوغل»، أستاذ الدراسات الاجتماعية في جامعة هارفارد، «لقد قاد دينغ ما يمكن أن يُوصف بأنه (أوسع عملية شهدها التاريخ لخروج البشرمن الفقر إلى الطبقة الوسطى)؛ إذ ارتفع متوسط دخل الفرد في الصين من ١٥١ دولار أمريكي في عام ١٩٧٨، ليصل إلى أكثر من ٦ آلاف دولار في عام ٢٠١٢. وخلال الفترة المذكورة، يقدر أن أكثر من ٢٣٠ مليون صيني انتقلوا من معدلات دخل تُصنف على أنها تحت خط الفقر لينضموا إلى الطبقة الوسطى (أي بمتوسط دخل سنوي للفرد لا يقل عن ٩ آلاف دولار)».

حتى أصبح دينغ مُلهم الصين، حيًا وميتًا، حديث الرؤساء الصينين من بعده، ينتظر العالم نبوءته التي تتم عام 2028، لتصبح الصين المؤثرة الأولى اقتصاديًا وسياسيًا في العالم.

فمنذ أن واجهت الصين فشل كل المبادرات والمحاولات، التي أقامها «ماو تسي تونغ»، كزعيم للحزب الشيوعي، (1947-1976)، لتقدم الصين، مثل الثورة الثقافية، ومشروع القفزة الكُبرى إلى الأمام، ومات الرجل، والصين ـ كما هي ـ تنين نائم. تقلد دينغ شياو بينغ السلطة، بعد إطاحته بسلفه عام 1978، برؤيه لتبني اقتصاد سوق يتماشي – ولو نسبيًا – مع الاشتراكية الصينية، مع حزمة بسيطة من الإصلاحات السياسية، وحزمة أبسط من الحريات.


دنغ شياو بينغ

دنغ شياو بينغ


تبنى فكرة بُني عليها كل شىء نعرفه عن الصين الآن: «حيث لا يوجد أي نظام اقتصادي صالح للصين، دون أن يحقق مستوى نمو مثل الدول الرأسمالية».

فقبل كل شيء، بدأ في إصلاح التعليم؛ إذ الأولوية المُطلقة للإنفاق عليه، وإحياء حقيقي للبحث العلمي. فكان القرض الأول الذي حصلت عليه الصين من البنك الدولي في السبعينات موجه بأكمله لإصلاح التعليم، وأسرع من عمليات ابتعاث طلاب الصين إلى الدول المتقدمة.

قام بإصلاحات اقتصادية مهمة، لتجعل ثلث الإنتاج في الصين الآن من استثمار خارجي من تطبيق ضرائب عادلة، وسياسة التسهيل للمستثمرين بتطبيق نظام الشباك الواحد، وجعل أجور العمال تنافسية، وخلق طبقة متوسط عريضة من الشعب، وإنشاء المدن الاقتصادية الخاصة، وغيره.

فالرجل وبسبب سياسته الناجحة تغيرت الصين من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي، وزراعي مُنتج يصدر إلى الخارج. فارتفعت الصادرات الصينية خلال عقد واحد، من 10مليارات دولار إلى أكثر من تريليون دولار.

حكمة دينغ بصُرت أن الصين ليست مُهيأة، لا الآن، ولا فى الأجل المتوسط، لتجربة ديمقراطية، على غرار الدول الغربية. فرأى سياسة محدودة التغيير، حيث الاحترافية السياسية بعملية حازمة لاختيار القيادات السياسية والتنفيذية، أقرب إلى ما يسمي بالتكنوقراط، هذه السياسة أفرزت إصلاحي كرئيس وزارئه «زهاو زيانغ», والتحرر البسيط في الحريات سمحت بانتقاد الفساد، وقصور الخدمات في وسائل الإعلام المحلية.

نتيجة لذلك ظهرت مظاهرات الطلاب الجامعيين لمزيد من الحرية السياسية عام 1989، ولكن دبابات الرجل سحقت المتظاهرين في الميدان السماوي.

الثائر المجهول أمام الدبابات في الميدان السماوي


دينغ حول أمة مليارية ضعيفة، تشتري قمحها من الخارج، مكتفية على ذاتها سياسيًا غير مؤثرة في محيطها الأسيوي. إلى أمة عظيمة يتطلع إليها العالم، وينظر إليها بعين الاحترام قبل عين الخوف.

لذلك كان الزعيم دينغ إصلاحيًا, واسع الإطلاع, لديه بقية من الحكمة الصينية، لكن بالطبع كان ديكتاتورًا.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد