“الكيان الإرهابي: الجمعيات أو المنظمات أو الجماعات أو العصابات أو الخلايا أو غيرها من التجمعات أيًا كان شكلها القانوني أو الواقعي، متى مارست أو كان الغرض منها الدعوة بأي وسيلة داخل أو خارج البلاد إلى إيذاء الأفراد وإلقاء الرعب بينهم، أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم أو أمنهم للخطر… إلخ”.

ذلك هو نص تعريف “الكيان الإرهابي” في المادة الأولى من قانون “الكيانات الإرهابية” الذي صدر في مصر منذ أيام قليلة. والحقيقة أن نص القانون والتعريفات والمفاهيم الواردة فيه قد استوقفتني أمامها.

فالقانون لا يضع أي اعتبار لأي شكل قانوني قائم لأي كيان كان متى دعا أو مارس ما اعتبره إرهابًا وعليه؛ فإن أي جمعية أو جهة أو هيئة أو مؤسسة يمكن اعتبارها كيانًا إرهابيًا، سواء كانت تابعة للمجتمع المدني أو خاصة أو مهنية أو حتى حكومية.

نعم، فالقانون لم يستثنِ أي جهة، بل جعل ضابط الحكم الوحيد على الكيان هو ممارساته (الإرهابية) إن وجدت.

والممارسات الإرهابية في القانون هي “إيذاء الأفراد وإلقاء الرعب بينهم، أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالمواد الطبيعية أو بالآثار، أو بالاتصالات أو المواصلات البرية أو الجوية أو البحرية، أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها؛ أو منع أو عرقلة السلطات العامة أو الجهات أو الهيئات القضائية أو مصالح الحكومة أو الوحدات المحلية أو دور العبادة أو المستشفيات أو مؤسسات ومعاهد العلم أو غيرها من المرافق العامة أو البعثات الدبلوماسية والقنصلية، أو المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية في مصر من القيام بعملها أو ممارستها لكل أو بعض أوجه نشاطها أو مقاومتها، أو تعطيل المواصلات العامة أو الخاصة أو منع أو عرقلة سيرها أو تعريضها للخطر بأي وسيلة كانت.

 

أو كان الغرض منها الدعوة بأي وسيلة إلى الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه للخطر، أو تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو منع إحدى مؤسسات الدولة أو إحدى السلطات العامة من ممارسة أعمالها، أو الاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن أو غيرها من الحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور والقانون، أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو الأمن القومي”.

بحسب ما جاء في بقية المادة الأولى من القانون.

والحقيقة هو أننا لو أردنا أن نضع توصيفًا لممارسات دولة ما بعد (30/6) وحتى الآن؛ فإننا لن نجد أدق ولا أجمع من ذلك التعريف.

فطبقًا لقانونهم الذي وضعوه، لو أن جهة ما مارست معشار ما تمارسه الجهات المحسوبة على النظام القائم من ممارسات لتمَّ الحكم عليها بأنها كيان إرهابي بلا أي تردد.

فعلى المستوى الفردي مثلاً، فإن ممارسات من يسمونهم بالإرهابيين في سيناء منذ (30/6) وحتى اليوم لم يبلغ عدد ضحاياها ما بلغه عدد الضحايا في مذبحة واحدة كمذبحة المنصة أو الحرس الجمهوري مثلًاً. وعليه فالقانون الذي يحكم على التنظيمات الموجودة في سيناء بالإرهاب من واقع الممارسات، فالأوْلى به أن يحكم على الجيش والداخلية ومن وراء مذابح المنصة والحرس الجمهوري وغيرهما بالإرهاب أيضًا.

ولكن قضاءنا “عادلٌ عادلٌ عادلٌ،لا غبار عليه”.

أما انتهاك الحريات والحقوق فلا يوجد كيان في مصر يمارس ما تمارسه الداخلية من اقتحامات للمنازل والاعتقالات والاختفاء القصري واغتصاب الفتيات.

ألن يحكموا بقانونهم ذاك على أي جهة تقوم يوميًا باختطاف أفراد من منازلهم وأماكن عملهم واعتقالهم بالإرهاب؟ ألن يحكموا به على إرهاب أي جهة تقوم بالتعذيب أو الاحتجاز المؤدي لإزهاق الأرواح؟ ألن يحكموا به على إرهاب أي جهة تمارس اغتصاب الفتيات في مركباتها ومبانيها؟

داخليتكم في قانونكم (كيان إرهابي) بلا أدنى شك.

أما على مستوى الأمن القومي، فهل يوجد أضيع له شرقًا من الإجرام الذي يُمارس ضد أهل سيناء تحت دعوى حرب الإرهاب؟ وهل يوجد أضيع له غربًا من فتح جبهة حرب في المستنقع الليبي رغم مئات الآلاف من المصريين الذين ما زالوا هناك؟ هل يوجد أضيع للأمن القومي المصري من الحكم على الشوكة – حماس – المغروسة في حلق عدو الأمن القومي الأول – الكيان الصهيوني – بأنها كيان إرهابي؟

أصحاب القرارات المسؤولة عن تلك الوقائع هم من يسحقون الأمن القومي المصري بإرهابهم.

أما السلام والأمن الاجتماعيان والوحدة الوطنية فهم في أسوأ حال في ظل نظام يرسخ الانقسام المجتمعي ويؤجج مشاعر الكراهية تجاه معارضيه الذين هم جزء من هذا المجتمع، فمصطلحات مثل: (أنتم شعب ونحن شعب) لم تظهر إلا مع ممارسات ذلك النظام وإعلامه وقضائه. فعن أي سلام وأمن اجتماعيين يتحدثون وهم من طعنوهما في مقتليهما!

وخلاصة القول هو أنه على مر العصور والحكومات والحقب، لم يوجد نظام مارس إيذاءً للأفراد وعرّض حياتهم وحرياتهم وأمنهم وحقوقهم للخطر مثل نظام ما بعد (30/6) بكل مؤسساته الحكومية والأمنية والإعلامية والقضائية.

ولا توجد جهة في تاريخ مصر كله أخلّت بالنظام العام وعرّضت سلامة المجتمع ومصالحه وأمنه للخطر مثلما فعل ذلك النظام. ولم يُمارَس الاعتداء على الحريات الشخصية والحقوق العامة والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والأمن القومي كما حدث في هذا العهد. وإن كان من كيان يستحق أن تتم محاكمته إلى ذلك القانون المستبد، الذي وضعه منفردًا رأس ذلك النظام الغاشم، فهو النظام نفسه ومؤسساته وأفراده. ورغم أنهم سيمارسون به كل أشكال البطش والإجرام ضد كل من يعترض عليهم وعلى فسادهم وعمالتهم ودكتاتوريتهم، إلا أني أرجو أن يكونوا آخر من يُحاكمون إلى ذلك القانون قبل إلغائه وبعد سقوط نظامهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد