منذ فترة وأنا أقرأ في تاريخ الأندلس، وبغض النظر عن اختلاف بعض الروايات في الحادثات الجزئية، إلا أنها (من وجهة نظري الشخصية) لم تخرج عن تسلسل منتظم من الانتصارات والانتكاسات، وقارئها يجد علاقة وثيقة بينها وبين ما نعيش اليوم تدعو للتأمل والتدبر.

فالأندلس مرت بالعديد من المحن والكبوات التي لم توقظها منها سوى سواعد الجهاد الحقيقية، وما سقطت الأندلس إلا بعد اندثار تلك السواعد، ومن منا لا يعلم قصة الجاسوس البرتغالي الذي أُرسِلَ إلى الأندلس ليتفحص أحوالها فوجد شابًا في عزلة حزينًا مهمومًا، ولما سأله عن سبب بكائه أجابه أن شابًا مثله غلبه في الرماية، فرجع إلى قومه محذرًا إياهم أن لا طاقة لهم بالمسلمين، ولما أُرسلَ مرة أخرى وجد شابًا آخر في عزلة يبكي فسأله عن سبب بكائه فأجابه الشاب: «هجرتني حبيبتي»، فعاد الجاسوس إلى قومه مغتبطًا بما سمع ومبشرًا إياهم بأن قد حان الوقت للرجوع وإخراج المسلمين من الأندلس، فسطر التاريخ في صفحاته أن كلمتين كانتا سببًا في سقوط الأندلس.

لربما قد باغت ذهنك الآن صورة أحد معارفك يقع تحت الطائلة التي أسلفت ذكرها، واتضح لك الإطار الذي أريد أن أصوره لك من مقارنة تاريخية ومفارقة فكرية، وهذا السياق التاريخي ليس ببعيد عما نحن فيه الآن، فأندلس اليوم (أو إن شئت فَسَمِّهَا «حلب» أو «غزة» أو «اليمن» أو ما شئت من بقاع الأرض التي يقع فيها عدوان على الإسلام والمسلمين) على حافة السقوط، وفي طريقها إلى مصير محتوم قرره أهلها منذ النكسة الأولى، فمع تطور وتغير الزمان والمكان يفطن العدو ويزداد قوة ويقينًا في الدرس الذي يجب أن نتعلمه نحن، ويصبح أكثر حرصًا على إيقاعنا في زلاتنا التي لم تتغير مع هذا التغير، وأهمها إقناع كل منا بأنه فرد واحد لا قيمة لفعله في الكيان المجتمعي وأن ما نعيشه الآن فتنة يلتبس فيها الحق بالباطل، فيستقيم له الحال ويمضي فيما يريد، ونحن كما نحن لم نتعلم ولم نفطن بعد لما يدور حولنا، بل ونفخر أحيانًا بما آلت إليه أمورنا.

أما إن كنت في انتظار أن يحييك أحد خطابات المجتمع الدولي، فأنت إذن في دائرة أخرى من اللبس بين العدو والصديق، ففرعون لم يقل «أنا مضلكم» ولكنه قال «إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد»، ولو لم يقل مثل ذلك لما تبعه قومه على ضلال، خاصة في عصر التكنولوجيا والتقدم العلمي والفكري لن يأتي أحدهم ليقول لك «أنا عدوك»، لكنه سيستغل زلاتك ونقاط ضعفك التي لطالما وقعت فيها وهو درسها جيدًا ليثني عزيمتك ويرخي عقيدتك وفْقَ تطورات العصر، صَوِّب هذا اللبس ثم سل نفسك سؤالًا منطقيًا؛ هل يصبح العدو عدوًا إذا أنقذك من نفسه؟!

وقد يسأل سائل: «هل تسقط كل بلاد المسلمين كما سقطت الأندلس؟»، وله أقول: لا يمكن أبدًا، فالله حافظ دينه من الزوال، فقد تتسع رقعة الإسلام دهرًا وتضيق دهرًا آخر لكنها لا تفنى أبدًا، والرسول الكريم قال: «ولد الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، قال «سيعود» ولم يقل «سينتهي»، فهل هناك أصدق ممن لا ينطق عن الهوى؟!

هذه ليست دعوة للـ«إرهاب» الذي سئمنا سيرته صباح مساء، فقد كانت المدينة في عهد رسول الله نموذجًا ومثالًا يحتذى به في السلم والتعايش الآمن مع المجتمع على اختلاف فئاته، لكنها دعوة للتأمل والتفكر في التاريخ الذي يعيد نفسه بنفس التسلسل المألوف، والسعي حق السعي في سبيل لا يخيب سالكه أبدًا إذ إن عُقْبَاه إحدى حسنيين، فكن عزيزي القارئ من «الغرباء»، وإلا فَقُل: «هجرتني حبيبتي»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد