حلب الشهباء، حيث الأنهار والسيول تجري في كل مكان، بلونها الأحمر القاتم كلون الحبر الذي أكتب به الآن. أصوات التفجيرات كصوت فرقعة الفيشار، تندلع من شتّى البقاع ومختلف الأزمان، تندفع بشكل صواريخ في الأجواء، ثم تهبط بقوة صارمة، دون أن تهتم في أي موقع تحط، وعلى رأس أي كائن كان، تدمر ما حولها، وتنثر حصىً وغبارًا، فلا يُرى من تعاقب الانهيارات وكثرة الدخان، وتشبّ النيران، تلك ذات اللون الأحمر الدافئ تمامًا، كلون النّار المشتعلة أمامي، شعلتها تدفئني، وتنير دفتري، لكن لو أدخلت أي شيء فيها؛ لحُرِق وصار رمادًا لا يُرجعه الزمان.

      يتراكم الناس على شكل جثث تسقى بالرماد، آملين أن يزهروا ورودًا بكافة الأجناس والألوان، لكنهم أكثر صلابة من ذلك؛ فهم كالصخرة الصماء، لا يزهرون فحسب، بل يتفجرون ينابيع كذلك. ينابيع من نوع آخر. ينابيع تدل على مدى صلابتهم وتضحيتهم. ينابيع من دماء يطهرون بها ثرى أرضهم المشبعة بحياة الموت والاستشهاد.

    وعلى هذا الحال ظلت حلب لساعات فأيام فشهور فسنين، وزِد طول المدة ما شئت، وعُدَّ من أعداد المباني المهدمة والمحلات المحروقة والرجال الباكية ذوي القلوب المشتعلة والأطفال الجائعة. أطفال تحمّلوا وحملوا هموم رجال، عاشوا الرجولة في الطفولة؛ فكبِروا على الألعاب قبل الأوان، يمسحون عن وجوههم بدلًا عن الدموع دماء، ولم يعودوا يتمنّون إلا العيش بسلام، والنساء الصامدات، والشهداء والشهداء والشهداء عُدّ منهم ما أردت، ستفجع بهول العدد، لكن لن يغني ذلك عنها بشيء.

حلب مدينة عريقة تعاقبت عليها الأمم والحضارات، مدينة أبية، كل من غزا طمع بها، وحاول بالظلم إرغامها على الركوع والاستسلام، لكنها أبت وبقيت شامخة متصدية كالجبال، بالرغم من كل المحاولات، والآن حلب تُقصف وتُحرق، تنزف وتُباد، حلب تَصرخ بلا مجيب يجيب، بلا مُدفئ يدفئها في الصقيع أو يبرد على قلبها في الحريق، لكن الله شاهد، وكفى بالله شهيدًا.

صحيح أن حلب ليست وطني الذي أعيش فيه، ولا وطن أجدادي الذي أُنسَب إليه، ولم يُقل عنّي حلبيّة في أي يوم، ولم تكن حتى موطئ قدمي ذات يوم، لكنها وطن تسكن بي هنا داخل فؤادي، يكفي أنها عربية لتكون أمًّا لي، تألمتُ لألمها، وبكيت على أبنائها، لكن ماذا عسى لدموعي أن تفعل؟!

أيها الحلبي! اصمد واصبر وكافح وقاوم .. فالمنتقم سينتقم لك، وسيُقضى على كل متجبر في الأرض؛ لأن ربك هو الجبار القوي القادر، هو العليم والأعلم بحالك، هو البصير على كل شيء والناصر والمعين لك في كل أمورك، وحده الله بيده ملكوت كل شيء.

ستبقى الراية الحلبية السورية مرفوعة مرفرفة في سماء حلب، ولن ترضى بانكسار، ستبقى محلقة بالأخضر والأبيض والأسود ملطخة بدماء الشهداء على شكل ثلاث نجمات تلمع في سماء الحرية، ولن تنكسر سوريّا.

طوبى لكم يا أهل أكبر مدينة في بلاد الشام .. يا أهل مدينة السلام .. يا أهل عاصمة سوريّا الاقتصادية.. يا أهل أقدم مدينة على الكرة الأرضيّة .. مدينة الثقافة الإسلاميّة .. يا أهل المدينة البيضاء .. يا أهل مدينة تشبعت بالحمرة .. وفاضت .. وازدادت .. طوبى لكم يا أبطال حلب الشهباء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد