ذاتَ صباح ربيعي، وقبل عيد النوروز بأيام، استيقظ العالم على مأساة حلبجة، ولم تستيقظ حلبجة نفسها، كادت الحرب الإيرانية – العراقية تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد ثماني سنوات عجاف (1980 – 1988)، حين رأى القائد المفدَّى في العراق (صدام حسين) أن استرجاع حلبجة من أيدي الإيرانيين يقتضي تدميرها، دون اعتبار لآلاف النساء والأطفال الأكراد القابعين فيها، هكذا أطلق على الكيماوي (اسم أُطلق على مجرم حرب يُدعى علي حسن المجيد) بأوامر من القائد المفدَّى غازَي السارين والخردل على المدينة الوادعة، وفارق الحياة أمهات وفي أثدائهن أطفالهن الرضع، وانقطعت أنفاس أطفال على أبواب المدارس، وتوقف قلب فتيان يحلمون بالخفقة الأولى. عشرة آلاف شهيد كردي بجرة قلم، وعاش أسد العروبة وبعد قليل شهيد السُنَّة، وكأن حلبجة لم تكن شيئًا، ربما لأنهم ليسوا عربًا!

يقول معين بسيسو في أبيات ساقها لي صديق كردي عزيز:

كرديّا كان صلاح الدين *** انتصَر فأصبحَ عربيّا

ماذا لو هُزِم صلاح الدين؟! *** لكان جاسوسًا كرديّا

في الحقيقة، لم تكن الأزمةَ الأولى التي تصادف رحلة الأكراد من أجل تحقيق استقلالهم ولفت نظر التاريخ؛ فمنذ غزو ساسان، وحتى الحرب السورية، لا يزال آل صلاح الدين مشتتين بين إيران والعراق وسوريا وتركيا. تعزلهم إيران، وتهمِّشهم سوريا، وتقتلهم تركيا. ويعاندهم العراق، وهم في الأردن ضيوف شرف، وفي أرمينيا تذكير بمأساة صفحاتها لم ولن تنطوي عما قريب!

فإن كان العراق وإيران قد اعترفا على مَضَض بمناطق كردية على أراضيهما: في الأول إقليم دون حدود، وفي الثانية إقليم شبه مستقل يتنازع حقوق بيع بتروله مع حكومة عراقية من صنع إيران، فإن قضيتهم لا يحملها عنهم غيرهم ولا يدرك الإعلام عدالة مطالبهم، أو يدرك ويتجاهل، فهم خمسة وثلاثون مليون مناضل فحسب!

أتعرفون أن تركيا كانت على وشك الدخول في حرب مع سوريا قبل سنوات؟! وأن إيران كانت تقاتل العراق في حرب السنين العجاف؟! هؤلاء الخصوم الأربعة لم يجتمعوا على طريقة سلق بيضة، لكنهم اتفقوا على وجوب قتال الأكراد، ولمَ لا، والكرد يحترفون قول: لا!

قال الشاعر فاروق جويدة من قبل:

قطعوا لساني

قـطـعوه يومًا عنـدما سمعوه

يصرخ في براءته القـديمة

عنـد أعتاب الكبار:

إني أحبّ ولا أحب

إني أريد ولا أريد

قالوا جميعًا: كيف (لا) دخلت لقاموس الصغار؟!

شعب مجاهد بطبعه، كأن النضال خُلِق له، تراهم بسروالهم ولباسهم الفضفاض، فتوقن أنهم جنود في استراحة محارب، تتعجب من إرادتهم التي هي أقوى من فولاذ الحديد، أمضى من سيوف الجيران.

هل جربتَ أن تزور أربيل أو السليمانية؟ هل سمعت عن كركوك أو دهوك؟ مدنهم صورة منهم، كما يقول الشاعر:

لا يُشبِه الشعراءُ يُشبِه شعرَه *** إن البناءَ الفذّ يُشبِه مَن بَنَى

لهذا كانت بناياتهم شامخات على النمط الأوروبي، تحرُّر دون تناسي الدين، وانفتاح على العالم دون هتك الهوية، وجيوش يدافع فيها النساء والرجال عن حقوق الوطن، تتعاضد فيها قيم المساواة في الميدان حقيقة ناصعة، وليست شعارات براقة، تدافع عن المرأة العربية وجه النهار، وتجلدها بالسياط قلب الليل.

خمسة وثلاثون مليونًا يبحثون عن بقعة أرض من العراق إلى أرمينيا، ويتنازل العرب عن أعظم مقدساتهم لثمانية ملايين صهيوني كانوا حتى الأمس في الشتات!

حكمة الأكراد عَرَّفَتْهم أن جيرانهم العرب لا يقدمون شيئًا فلم ينتظروا شيئًا من العرب. حملوا سلاحهم، وعند حدود مناطقهم وقفوا يمنعون الغزاة، «داعش» كانوا، أو إيرانيين، أو جيوشًا المفترض أنها نظامية تقتل شعوبها برصاص الغدر المصبوب، أو زعماء يتلطّون بالدين ويحاولون تصفير مشكلاتهم الداخلية عبر انتهاك آدمية شعوب تسعى لإرساء مفاهيم التمدُّن والحضارة!

أعيادهم الوطنية صورة منهم؛ ثقافة اللون والسلام والحب والتضامن، تعرفهم من حماستهم عندما يتحدثون عن بلادهم السليبة، وصراعهم من أجل الوجود، وهدفهم الواضح الذي يتشبثون به ويسعون إليه على أرواحهم دون تطرف أو كثير صراخ: الوطن، الوطن فحسب. وطن يأمنون فيه على أرواحهم وقلوبهم، وينامون، دون أن يستيقظوا على حلبجة جديدة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد