لم يكن الهدف منذ البداية عند كتابة هذا المقال أن أنصرف إلى هذا الموضوع، وهو ثقافة الاختلاف، ولكني كنت أحاول أن أرد على العديد من التعليقات التي تكتب على العديد من المقالات التي قرأتها.

ولكن وجدت أنه من الأحرى بي أن أتحدث عن بعض العادات السيئة الفظة في عالمنا العربي والإسلامي. نعم، عادات انتقيت منها إحدى العادات التي من المفترض أن تكون ثقافة مكتسبة لدينا، وهي ثقافة الاختلاف في مجتمعاتنا العربية.

حيث إنني أجد أنها ثقافة مفقودة لدى جميع الشعوب العربية تقريبًا، وهنا لم يكن حكمي على افتقاد الشعوب لثقافة الاختلاف أنني قد قمت بزيارة جميع الدول العربية، ولكن تكونت عندي قناعة قوية بفقدان هذه الثقافة مما قرأته وما زلت أقرأه حتى الآن من تعليقات على مختلف الموضوعات تخص مختلف الدول، ومختلف الجنسيات العربية.

وجدت البعض يتبادلون التعليقات ويبدأ بينهم الحوار بهدوء وبقليل من الكلمات إلى أن يتدخل أحد المتابعين ويبث جهله في بعض الجمل الاستفذاذية لأي طرف من الأطراف المتحاورة، وفجأة يتحول الحوار من حالة الهدوء إلى حالة غريبة من تبادل الألفاظ النابية، إلى أن يصل بهم الحال إلى السب وتبادل الاتهامات بالجهل والعمالة والخيانة، على حسب ما يدور حوله النقاش.

وحين تحاول أن تجد سببًا لكل هذه الضجة، لا تجد سببًا واضحًا، أي أنه كان من الممكن أن يكتمل الحوار بحالة الهدوء التي بدأ بها والرقي في الحديث المتبادل حتى يستفيد الجميع، ولكن الجهل بثقافة وآداب الاختلاف وإدارة الحوار يكون هو الدافع وراء هذه الانتهاكات.

وللأسف، نحن لا نحاول أن نرتقي ونتعلم، أو حتى ننقل هذه الثقافة من الغرب الذي أصبحنا ننقل عنهم كل ما هو بذيء، ولكن لا ننقل ما يفيدنا أو يجعلنا نتقدم في أي مجال.

أقول هذا أسفًا لأننا من المفترض أن نكون نحن القدوة التي يحتذي العالم بها لأن نبينا صلى الله عليه وسلم كان خير من علم آداب الحوار والحديث.

فلم نسمع في حديث قط فيما روي عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه حينما خالفه أي شخص في الرأي سبه أو لعنه ونهره، أو أقام عليه الحد كما يُفعل من البعض في هذه الأيام.

لكن كان إذا ثار أحد أصحابه على من يخالف نبينا أو يحتد في الحديث، فكان ذو الخلق الكريم يُهدئ من روع صحابته، ويكمل الحديث حتى يستوضح الأمر المقصود من الحديث، ثم يوضح ويشرح ما يريد في هدوء وروية. وتعلم أصحابه منه الآداب الرفيعة، والخلق الكريم، وفن الحديث.

فلم يضيق صدره يومًا بسؤال أو كلمة من أي شخص، وكانت هذه صفاته وخلقه العظيم.

أما نحن فقد تناسينا وهجرنا سنة الرحمة المهداة الذي لا ينطق عن الهوى فيما حمله إلينا من القرآن والسنة اللذين لم يفرط الله فيهما من شيء، وأتم علينا دستور الحياة الذي إن التزمنا به لن نشقى قط.

فمن المؤسف أن يكون هذا ديننا وهذا نبينا، ويكون ما آلت إليه أحوالنا.

نختلف ولا نتفق في وجهات النظر فهذا طبيعي بين الناس، ولكن التحلي بضبط النفس والتزام آداب الحديث واحترام الآخر فقد أصبحت هذه الصفات مفقودة بيننا، إلا من رحم ربي ممن يتمتعون بهذه الصفات.

ليس هذا فحسب، ولكن هناك ما هو أكثر من ذلك، فمثلًا نجد في بعض الحوارات يبدأ بعض الأشخاص بالانتقاد والتهكم، ولكن الكارثة نجد بعض هؤلاء الأشخاص لا يمتلكون القدر الكافي من المعلومات عن موضوع الحوار.

فلا تكاد توجه سؤالًا أو تطلب توضيحًا لنقطة معينة، وفجأة ينفجر سبًّا واستخدامًا لكلمات غير لائقة وألفاظ نابية، ولا يوجد سبب لكل هذه الضجة التي يُحدثونها هؤلاء الأشخاص.

فهم عادة ما يختبئون وراء سُبابهم إلى أن يأخذوا الحوار إلى مستوى متدني جدًّا في كثير من الأحيان.

فمن هنا نكتشف أن هؤلاء الأشخاص يعانون من مرض الجهل، ويفتقرون إلى ثقافات مختلفة، وهم يمتلكون القناعة الداخلية بأنهم على حق، ومن يخالفهم الرأي فهو جاهل؛ ولهذا أصفهم بالمرضي.

ومن وجهة نظري أرى أنه لا يوجد داعي للخوض في الحوارات التي يتدخل بها مثل هؤلاء، وإن استدرجت لهذه الحوارات يتم الانسحاب منها فور بدء تدني أسلوب الحوار، وعدم الرد على أي تعليقات لأن ذلك يكون مضيعة للوقت الذي من الممكن أن نفيد به شخصًا سويًا.

وبذلك تكون خير إجابة عليهم أنه إذا تحدث السفيه فخير الإجابة هي السكوت؛ لأن هؤلاء لا يمتلكون حقًّا إلا أنصاف عقول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عقول
عرض التعليقات
تحميل المزيد