كنت أُناقش صديقتي عن أفكاري حول أنصاف الطُرُق وأنها فكرةٌ مُتأصلة في حياة البشر اجمعين، لكنها وجهّت تفكيري إلى عكس ذلك تمامًا، ماذا لو كانت أنصاف الطُرُق عبارة عن نمطٍ شخصيّ؟ بكلماتٍ أدق، رُبما يكون السَير في أنصافِ طُرُق مبنيّة على نمطِ شخصيةٍ معين، ولا يعني بالضرورة أن الأشخاص كلهم لا يصلون أو يسيرون دائمًا في أنصافِ طُرُق بلا نهايات واضحة أو بلا نهايات أصلًا.

بعض الأشخاص، وأنا من بينهم، يميلون إلى تجربة كل شيءٍ في الحياةِ تقريبًا، يشعرون بالملل من كل شيءٍ بسرعةٍ شديدة، ولا يُكملون شيئًا إلى آخره أبدًا. ببساطة هم أشخاصٌ لا يطيقون الروتين أو الالتزام بشيءٍ واحد طوال حياتهم، لذلك يستمر شغفهم غير النهائيّ إلى التجربة، سعيٌ دائم لتجربة هذا وذاك، رُبما يبدأون في التجارب رغم علمهم بأنها لن تكتمل أبدًا.

نحن القوم المُشتتون منذ يومنا الأول، لكننا كذلك مرضى بالأمل، الأمل الذي يجعلُ شيئًا ما بداخلنا يخلق كل الأفكار المجنونة في عقولنا. في الواقع لن نُنفذَ حرفًا من أفكارنا تلك، لكن -اللعنة- من يكترث لذلك؟ هناك فشلٌ في المُحيطِ دائمًا، يخنقنا خنقًا، رُبما لهذا السبب بالذات نهوى التجارب الجديدة، لا كلل أو ملل، نحن كارهو الفشل وطيفه حتى.

اهتمامنا بأشياء مختلفة يجعلنا لا نهدأ أبدًا، لا نجدُ أرضًا صلبة نقف عليها مهما مر الزمن، رُبما لهذا السبب تتغيّر مشاعرنا تجاه الناس بسهولة وسرعة. المنتصف هو مكاننا في العلاقات كلها، نحن في منتصف الأمومة والأبوّة، وفي منتصف الأخوّة ومنتصف الصداقة، رُبما منتصف الحب والاستقرار فيما بعد أيضًا. عدم معرفتنا لمُرادنا يجعل الثبات والاستقرار شيئًا مستحيلًا بالنسبةِ لنا، فكيف يمكن أن يثبت أو يستقر شخصٌ لا يعرف ماذا يفعل أو ماذا يريد؟

رُبما يتعلق الأمر بتوترنا أو انبهارنا المبالغ بالأشياء، لا أعرف يقينًا كيف يتعامل المرء مع نفسه، التي لا تقبل السكون ولا تصلُ أبدًا، لكنني أعلم أنه رُبما يحتاج المرء في هذه الحالة إلى أن يجد من يُرتّب معه بعثرة أفكاره وعبثيتها. هل كان الواقع أبدًا طيبًا معنا؟ لا أظن؛ بالعكس، دائمًا ما يكون صادمًا ويجبرنا بشكلٍ أو بآخر على البقاء في المنتصف، لأننا لا نفهمه جيدًا وفي المقابل لا يفهمنا العالم كذلك، فلا نجد لنا مكانًا غير المنتصف، في أغلب الوقت أو كله.

متى نجد الطُرُق الكاملة؟ لا أحد منا يعلم ذلك حتمًا، رُبما يكون هذا لأننا لا نعلم بوجودها، لكن لا، نحن نعلم جيدًا أنها بالخارج، موجودةٌ هُناك، لكن من الممكن أن تكون المشكلة هي أننا لا نجدها بداخلنا أبدًا.

أفكارنا نفسها عبارةٌ عن أنصاف، لذلك نحن واقفون في المنتصف بلا حِراكٍ فعليّ، رغم أن الجميع يرانا نتحرك كثيرًا ونفعل أشياء كثيرة، رُبما يرانا أحد ويتمنى في خياله أن يُصبح نشيطًا مُقدِمًا على كل جديد، مثلنا تمامًا. لكنهم في الواقعِ لا يعلمون شيئًا مما نُعانيه

قد يكون الأمر رهنٌ لعدم قدرتنا على تحديد الأشياء التي نُحبها. أتذكر أنني كنت أُحب موادًا علمية وعملية معًا، الحقيقة أن الأمرَ مستمرٌ إلى الآن حتى بعد التخرج، فمؤخرًا بدأت أُحب جانبًا برمجيًا (python) غير دراستي التجارية وحُبي الأدبيّ (الكتابة)، كل الأمور في رأسي وكأنها حرفيًا «خلطبيطة بالصلصة».

هناك شيءٌ يُلازمنا في حيواتِنا، يجعلنا نشعر بعدم الاكتمال، رُبما يكون هذا سببًا أخر لخوضنا تجارب لا تُعد ولا تُحصى، تجارب ناقصة، لا اكتمال فيها. نحن أنصاف الطُرُق، هي نحن ونحن هي، مهما نظرنا حولنا جيدًا، لا نرى طُرُقًا كاملة، لكنها دائمًا أنصافُ طُرُق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد