default-avatar
د.محمود عساف
default-avatarد.محمود عساف

اتسعت دائرة الوجع، وضاقت الدنيا رغم اتساعها، واضطربت النفس بما حملت، وتناقضت السلوكيات بغير داعٍ؛ فضاعت الحقوق، واستبيحت المشاعر بغير وجه حق، اختلطت المفاهيم والأعراف، وتسرب الوجع إلى أصحاب الوجه الواحد، المتمترسين حول مبادئهم لا يحيدون عنها ولو كلفهم الأمر وجودهم.

بهذه الكلمات قد يتساءل القارئ حول ما يريد الكاتب منها! وما أريد إلا أن أوضح مفهوم السعادة الحقيقية، السعادة الكامنة في النفس التي أساسها وحدة القول والرأي والسلوك في العلاقة مع الجنس الآخر دون غيره، لا أريد أن أوضح ملامح التناقض وتعدد الأوجه والنوايا في السياسة والوطنية والقضايا الهلامية، لقناعتي التامة بأن الوضوح في العلاقة بين الجنسين هي أساس الصلاح حتى على الصعيد العام والنسيج المجتمعي الكامل.

إن التناقض بين القول والفعل في العلاقة مع الجنس الآخر، والتظاهر بما لا يكشف الحقيقة لن يوصلنا لشيء، وإن أوصلنا سيكون وقتيًا، فالمسافات البعيدة لن تفصل القلوب والمسافات القريبة لن تدخلنا دوائر السكون.

صديقي المتناقض، ما يفيدك الفراغ القائم بين الكلمات؟ ما يفيدك السقوط بهاوية الوهم؟ ما يضرك لو كنت واضحًا كجرح طري، كتجاعيد الوجه التي لن تخفيها كل عمليات التجميل؟ لم لا تهمل المكالمة التي تزعجك؟ لم لا تحذف الرسائل التي تؤذيك؟ لم تجامل كاذبًا؟ لم ترفض كبرياء؟ لم لا تحرر إحساسك وتتبع قلبك الذي يعرف شغفك. وإن كانت هذه الأسئلة قد أفضت إلى جدال مع النفس، فلا أعتقد أن الإجابة ستكون مقنعة.

وبعيدًا عن الحق أو إدعائه في علاقاتنا مع الآخرين، وعن من تقدم ومن تراجع ومن بذل ومن بخل، وقريبًا من إيماننا بأن الناس قابلون للتغير، وأن للظروف سلطة أكبر من المشاعر في بعض الأحيان، وأن لبعض اللحظات قياسات مختلفة عما بنيناه وتخيلناه وتوقعناه، وأن الصادقين في عواطفهم لا يبالون بالمظاهر، كان من الجمال أن تعبر عن حاجتك ورغبتك وحدود ما تبتغيه من الآخر، فكم من العلاقات دامت بالاعتراف! وكم من الخلافات ذابت بالاعتذار!

هناك علاقات تجعلنا أجمل، وهناك أخرى تجعلنا نذبل؟ أتعرفون ما السبب؟ السبب هو الوضوح فيها مهما كانت حيثياتها الشرعية أو غير الشرعية، الرسمية أو العابرة، كما أن هناك رحيلًا أنيقًا لا ينزع الحب والذكريات الجميلة لإيمان أصحابها بأن المواقف تعيش بالذاكرة أكثر من الأسماء، وأن الذين يعيشون بالقلب لا يموتون، فالقلب لا عمر له، وصدق جبران حين قال: (النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجلتها، وهو حب لم تصل إليه). فكم نصفًا لم يكتمل؟ وكم شعورًا اعتبرناه نهاية، واكتشفنا أنه البداية؟

وصدق باولو كويلر حين قال: (يمكننا أن نملك كافة وسائل الاتصال في العالم، ولكن لا شيء أبدًا يعادل نظرة إنسان)، وما هذا إلا تعبير عن صراحة وصدق التوافق البصري مع الشعور، فاللسان قد يتجمل، والقلب قد يتقلب، لكن النظرة لا تكذب.

وخلاصة حديثي هذا، أنه مهما كانت رغباتك وبواعث علاقتك مع الآخر، اتفق فيها معه منذ البداية، فإن قبل الاتفاق كان النقاء أساس الطريق، وإن رفض كان الفراق الأنيق، لا تجبر إحساسك على التجمل، ولا تقحم الآخر في تشكيل أحاسيس لم تكن بالحسبان، فتعيش أجواء تمثيلية، ترغمك على تذوق حلاوة الرحيق المختوم في مرارة العلقم.

لا تعلق بين الأمس والحاضر، بين الحب والبغض، والحزن والفرح.. برمج نفسك على أنك وجهًا واحدًا وقلبًا واحدًا لا تجعل خيبة تورثك الألم، وكن شاكرًا لأولئك الذين منحوك السعادة ولو للحظة، ولا تطمع بأكثر مما نلت معهم، وتأكد دائمًا أن الحياة أقصر من أن تهدرها في إثبات حسن نواياك، وما عليك إلا أن تكون واحدًا في كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك