أيام وتأتي أعياد الهالوين، ويبدأ البعض بنشر صور أطفالهم وهم بملابس تلك المناسبة على صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة ضمن يوم احتفالي فى بعض المدارس الدولية.

 

 
عودة بالذاكرة للوراء، وذكرايات طفولتنا ونحن صغار، تذكرت نوع المناسبات التي كنا نحتفل بها ـ على مختلف طبقاتنا الاجتماعية والثقافية ـ والتي كانت تتلخص في الاحتفال بقدوم رمضان وعيد الفطر، رأس السنة الميلادية والكريسماس، شم النسيم، عيد الأضحى، المولد النبوي، أعياد أكتوبر، كل مناسبة من تلك المناسبات كانت لها ذكرى وأسلوب للاحتفال بها، سواء كان ذلك في البيت أو فى المدرسة أو فى (خروجة) ممتعة. وقتها لم نكن نعرف شيئاً عن أعياد الهالوين، ولم نكن أبداً نحتفل به فى مدارسنا أو بيوتنا.

“الأعياد هى وسيلة فى تعبير الشعوب عن هويتها سواء القومية أو الدينية..”، هكذا قرأت يوما، “وكلما تلاشت مظاهر الاحتفال بالمناسبات القومية والدينية، كلما دل ذلك على ضعف في الشعور الوطني والديني”. ولهـذا أشعر حقاً بالشفقة حينما أشاهد بعض الأهالي، وهم فرحون ومهتمون بموضوع الهالوين وغيره من المستحدثات. فى نفس الوقت الـذى تنمحي فيه مظاهر احتفالاتنا بأعيادنا القومية والدينية عاماً وراء عام.

 

 
أغلب الأعياد الدينية مثلاً والتي هى وسيلة للعائلات؛ لكي تجتمع وتسأل على بعض تحولت إلى رسائل معايدة جاهزة على تطبيقات الرسائل المجانية: كالواتس آب أو الفيبر.

 

 

 
أو تحولت أعيادنا إلى سفر لأي مكان بعيد مع “الأسرة الصغيرة”، أو إلى صكوك الأضاحي التي توزع لحومها دون تعب على فقراء لم نلتق بهم ولا نعرفهم، أو إلى فوانيس صيني بلاستك عليها أغانى مسجلة بصوت نشاز.

نحن محتاجون أن نفكر: لماذا وكيف نقوم بالأشياء وما العواقب لأفعالنا حتى ولو بسيطة؟ الهالوين فى الأصل كان أسلوبا لاحتفال الأيرلنديين قديماً قبل ظهور المسيحية بأرواح الأموات، التى تزور الأرض كل عام مرة، بتقديم القرابين لها؛ لكي يتخلصوا من شرورها، وهو ما تمثله فكرة الـ” trick or treat “.

كما أنه كان موجوداً بشكل آخر أيضاً قبل ظهور المسيحية فى روما القديمة إبان مواسم الحصاد، حيث كان متعلقا بزيارة الجيران بعضهم لبعض، وتقديم الهدايا (بعض من الحصاد الذي جنوه تواً من مزارعهم)، وذلك قبل دخول موسم الشتاء.

 

 
وبدخول المسيحية ورغبة في نشر الدعوة للدين الجديد، فكر المُبشرين المسيحيين فى كيفية تقبل الكفار لتلك الديانة الجديدة عبر الإبقاء على المناسبات الاحتفالية القديمة الخاصة بتلك الشعوب، ولكن مع بعض التعديلات فى جوهرها؛ ليكون الاحتفال بأرواح الشهداء والقديسين الذين رحلوا عن عالمنا، وكأنهم عادوا من جديد بأرواحهم كل عام لنا.

 

 

 

وبالطبع تطور شكل وجوهر الاحتفال مع الوقت، ومع ضعف إيمان تلك الشعوب اليوم بفكرة الدين عموماً؛ لكي يصبح مجرد مناسبة وطنية فيها كثير من الفانتازيا.

ويتضح من كل ما سبق أن تلك المناسبة لا تمت لنا كمصريين بأية صلة، تاريخية كانت أو دينية، وهذا ينطبق أيضاً على مسيحي مصر والشرق عموماً.

فما الذي قد يدفع الأهالي لكي يربوا أولادكم على الاحتفال بمناسبات لا تعني لنا شيئاً، وليست حتى محببة فى طبيعتها بأن يلبس الطفل ملابس مُخيفة أو سوداء كئيبة؛ كي يحتفل بالهالويين، إلا أن نكون قد بلغنا من ضعف الهوية حداً أصبحنا فيه على استعداد لأي تأثير خارجي لمجرد أن نعطي انطباعاً بانتمائنا للثقافة الغربية؟

 

 
كذلك يبدو الأمر مفهوما حينما نتأمل دافع بعض المدارس الدولية للاحتفال بذلك اليوم وذلك حتى يُشعروا الأهالي أن أطفالهم بالفعل يتعلمون فى مدارس دولية! وإن كان أغلبها لا ينطبق عليه فعلياً مصطلح “دولي” ولا حتى يقدم تعليماً جيداً.
ولو كنا نريد أن نتحدث عن التعليم الجيد فربما يبدو من المنطقي الإشارة إلى أن من أهم أهداف العملية التعليمية فى أي مؤسسة تفهم جيداً دور التعليم هو تثبيت وتعزيز الهوية الوطنية لتلاميذها.

وهذا يدفعنا إلى الإشارة مثلاً للتعليم الأسترالي VCE والذي من أهم أهدافه هو تأكيد الهوية الوطنية والدينية لمواطنيها رغم أن أصولهم من البلاد التي جاءوا منها وذلك عبر تعزيز الطفل لشعوره بأصوله والمكان الذي جاء منه (وليس محوه). وكذلك توجد نفس الأهداف بالنسبة للنظام الكنديAlberta curriculum لأنها دول تقوم على المهاجرين وتلعب الأعراق والأصول المختلفة دوراً فى تكوين تلك المجتمعات، فليس من المنطق إذاً محو أصولهم. فما بالنا ببلاد لا تقوم على المهاجرين وبالعكس تقوم بمحو ثقافتها على حساب ثقافات أخرى؟

لابد أن نفهم إلى أين نحن سائرون وندرك ما نفعله قبل أن نفعله. فالهالويين هو أحد النماذج المستحدثة والدخلية، ولكن الأمر ينطبق على مستحدثات أخرى عديدة كعيد الفالنتين مثلاً. فالفالنتين هو اسم أحد القديسيين فى العصور الرومانية الأولى ـ قبل أن تكون المسيحية ديانة معترف بها فى الإمبراطورية الرومانية ـ تم إعدامه من قبل امبراطور روما. وقبل موته روي أنه قام بمعجزة تتمثل فى علاج طفلة كفيفة. فما هو علاقة القديس فلانتين بعيد الحب؟ هذا سؤال يبدو منطقيا.

 

 
يروى المؤرخون أنه فى ذلك العصر، وقبل ظهور وانتشار المسيحية كان الرومان يحتفلون فى الفترة ما بين منتصف يناير إلى منتصف فبراير بالحب والخصوبة، وربما من هنا جاءت العلاقة: فموت القديس تزامن مع احتفالات الحب والخصوبة!

 

 

 

186507758

صورة للقديس فلانتين

والعجيب أن جميع تلك الاحتفالات قد نشط وتوسع مع انتشار التصنيع والدعاية والتسويق. فحتى أعياد الكريسماس نفسها كانت ذات طابع مختلف تماماً فى القرون التى أعقبت المسيح وحتى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حيث أخذت شكلا اتسم بالبساطة دون تكلف. ولكن بالتوسع فى الصناعات عموماً وتطور علم التسويق كان لابد من المبالغة فى الاحتفال بتلك المناسبات؛ لأنها أصبحت تمثل مصدرا كبيرا للدخل لهؤلاء المصنعين للهدايا التذكارية. فما هو أصل شجرة الكريسماس؟ وما أصل شخصية سانت كلوز أو بابا نويل؟ وما علاقتهم بالديانة المسيحية؟

 

 

 
في الحقيقة، يربط بعض المؤرخين بين شخصية سانتا كلوز، وبين شخصية الإله أودين الذي كانت تعبده القبائل الجرمانية ـ أو الألمانية ـ قبل التحول إلى المسيحية، حيث يبدو قريبا من الشكل الذى تم إخراجه لشخصية سانتا كلوز اليوم، فقد كانت تلك القبائل تحتفل فى يوم فى منتصف الشتاء من كل عام بظهور الإله أودين راكباً حصاناً ذا ثمانية أرجل يطير فى السماء ومعه هدايا يوزعها على الناس.

أودين

صورة للإله أودين

كما ربط بعض المؤرخين بين شخصية سانتا كلوز والقديس نيقولا الذي عاش فى القرن الرابع الميلادي ـ وكان معروفاً بكثرة بره خصوصاً للأطفال ـ وتوفى فى ديسمبر. وقد كتب الشاعر الأمريكي كليمنت كلارك موور فى عام 1823 قصيدته بعنوان: “زيارة من القديس نيقولا” حيث وصف فى القصيدة شكله ووسيلة انتقاله والرَنة التى تقود مركبته. وبعدها انتشرت القصيدة إلى كل البلاد الناطقة بالإنجليزية واشتهرت.

 

464422035

صورة للقديس نيقولا

ثم تلقف توماس ناست رسام الكاريكاتور الأمريكي القصيدة، فرسم شكلاً مشابهاً لما نراه الآن من صورة سانتا كلوز. حيث تحول “القديس نيقولا” إلى “سانتا كلوز”. وقد رسمه فى أول صورة له ليس بالملابس الحمراء المعروفة لدينا اليوم، ولكن بملابس عليها العلم الأمريكي!

كذلك جاءت رواية الأديب البريطاني الشهير تشارلز ديكنز “ترنيمة عيد الميلاد” أو“Christmas Carol” لتوجه الناس وتحثهم على ضرورة الاحتفال بعيد الميلاد وتبلور الشكل والكيفية التى يتم فيها الاحتفال.

 

 

 
ولم يصل شكل سانتا كلوز إلى هيئته الحالية المعروف بها لدينا، إلا حينما جاءت إعلانات شركة كوكا كولا فى عام1930 لتنشر شكله وشخصيته بملابسه الحمراء المعروف بها اليوم حيث ظهر وهو يشرب مشورب الكولا فى إعلانات الشركة، ومنها انتشر شكله الحالي إلى العالم كله!

115116288

صورة لسانتا كلوز لأول مرة بالملابس الحمراء

 

أما عن شجرة الكريسماس فهى تقليد بدأ فى الأوساط الاجتماعية العليا فى المجتمع الألمانى فى القرن السادس عشر على نطاق ضيق ومحدود، ولكن نطاقها اتسع فقط فى منتصف القرن التاسع عشر، لتضم طبقات اجتماعية أخرى وبلدان أخرى.
وليس معنى هذا أن الشرق لم يبدع فى أساليب احتفالاته ويبتكر فيها، ففانوس رمضان وعروس المولد النبوي وغيرها تمثل تعبيراً واقعياً عن الإبداع فى ابتكار أساليب الاحتفال بالأعياد الدينية والوطنية.

وليس معنى ذلك أن المسيحيين الشرقيين لم يبتكروا أساليب للاحتفال بأعيادهم، بل على العكس. يروى المقريزى فى كتابه أنه شاهد احتفالات عيد الميلاد التى كانت “موسماً جليلاً” ـ على حد تعبيره ـ تباع فيه “الشموع المصبوغة بالألوان الرائعة” ويشتريها الناس جميعاً ويتنافسون على شراء الفوانيس ويعلقونها فى الأسواق وعلى أبواب الحوانيت.

كما يذكر ابن الحاج فى كتابه أن المسلمين شاركوا المسيحيين الاحتفال بعيد الميلاد، وأن المصريين كانوا يصنعون فيه نوعاً من أنواع العصيدة التى يعتقدون أنها تقيهم شر البرد.

فترى لماذا اختفت مظاهر الاحتفال الشرقي بعيد الميلاد ليحل محلها الشكل الغربى؟ ولماذا أصبحنا مقلدين متأثرين بمناسبات ليس لها أية صلة بثقافتنا؟ هل الأمر يعود لضعف هويتنا؟ أم أن الأمر يعود لنظام عالمي أصبحت قيم العولمة توحد جميع الشعوب بشكل أصبح فيه الأقوى يؤثر على باقي الأمم فيوحدهم جميعاً تحت هوية واحدة بثقافة واحدة؟

51952243

صورة لفوانيس رمضان

 

 
لا شك فى أن الأعياد والاحتفالات الدينية والوطنية عند أي شعب تعتبر مؤشرا صادقا على مدى تقدم المجتمع وازدهاره ودرجة استقراره، بل على مدى اعتزازه بهويته. ولهذا نجد أنه كلما كان وضع أية أمة مستقراً وقوياً، كلما أبدع شعبها فنوناً فى الاحتفال بأعياده ومناسباته الدينية والوطنية، وهذا شيء يجب أن يسترعي اهتمامنا ونحاول أن نبحث له عن علاج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد