يعيش الناس حولنا بأساليب مختلفة في حياتهم، تتباين بدوافع الطبيعة الإنسانية، أو النشأة، أو البيئة والظروف والأحوال، ولعلنا نتأمل نماذج البشر حولنا ونقف منها محل المراقب المحلل/ متلمسين في أساليب حياتهم إجابات أسئلتنا، ومحاولات للتفسير، أو التعلم، أو التغير.

وحمادة «الرمز والدلالة»، اسم مقترن في ثقافتنا المصرية بالتدليل والطفولة والمرح، هو طفل مدلل يعيش طفولته بكل امتيازاتها، ويستخدم ملامحه الطفولية من ضحك، وبكاء، وصخب، وصراخ، في استمالة والديه والتأثير عليهما؛ ليحققا كل رغباته، وهو محترف متقن، يعرف ماذا يفعل ويفعل ما يعرف، فإذا لم يفلح الصراخ يجرب التشنج وضرب الأرض بقدميه، أو يجرب التمارض والشكوى من آلام وهمية ليخيف والديه ويدفعهما لتحقيق رغباته.

وهما في الأساس لا يرفضان له طلبًا ولا يتوانان عن تلبية رغباته وتحقيق أحلامه، وأنت إذ تقابله تجده إما ضاحكًا وإما باكيًّا، هادئًا أو عصبيًّا، صامتًا أو صاخبًا، وفي كل حالة من حالاته يحقق رغبة ويلبي حاجة، ويفوز دائمًا ويأخذ دائمًا، ولا يعطي أبدًا.

ينشأ أنانيًّا، محبًا لذاته، مقدسًا لحاجاته، يفكر في نفسه فقط، إنها حالة الطفولة الدائمة والحمادة المستمرة؛ فيصبح لدينا حمادة المراهق، ثم حمادة الشاب، ثم حمادة الرجل.

لا تختلف كثيرًا صفات الرجل فيه عن صفات الطفل، إنه الرجل الذي يعيش حالة الطفولة، فهو يلبس لباس الرجل ويعيش بروح حمادة؛ فيقطر لسانه شهدًا، ويقول فيسمعك سحرًا وبيانًا، وفجأة تجده على الطرف الآخر لا يحفظ عهدًا، ولا يفي بكلمة؛ فحمادة داخله ينتفض ويبكي ليتملص من كلمة قطعها، أو عهدًا أعطاه، أو اتفاق أبرمه.

وتجده أيضا يدور في فلك نفسه، يبحث عن فوزه الدائم، ومصالحه المستمرة، يجرب الشكوى والبكاء والقفز والتنطيط، فإذا لم ينجح بدا في الضحك والاستهزاء، وفي كل الحالات حمادة ينتصر، ويأخذ ما يريد دائمًا.

لكن الغريب هو تعاملنا مع شخصية حمادة، ومدى نجاعة أسلوبه معنا، يجبرنا حمادة أن نلبي رغباته، ونعطيه ما يريد، حتى نتخلص من صخبه، و ضوضائه، أو حتى يمكننا إسكاته وإيقاف إزعاجه؛ فتجده يفوز أيضًا ويحصل على ما يريد.

يقول الدكتور مايكل أوبنهايم، في كتابه صحة الرجل إن الرجال العقلاء الذين لا يجيدون التلون، غالبًا ما يواجهون صعوبات في النجاح في مجال العلاقات والعمل، وأن النساء يميلون إلى الرجال الذين يتحلون بقدر مقبول من الجنون، إنهم يحصلون دائمًا على النجاح في أعمالهم، وعلاقات حياتهم.

ربما قدم أوبنهايهم تصورًا علميًّا على نجاح أسلوب حمادة في الحياة، وربما كان حمادة أبعد ما يكون عن خوض غمار الضغوط والصراع في الحياة؛ فهو الساخر دائمًا الضاحك دائمًا، والفائز دائمًا. ويقدم الدكتور عادل صادق تصويرًا علميًّا آخر على مستوى الطب النفسي في كتابه «مباريات سيكلوجية» عن تلك الشخصية التي تعيش حال الطفولة الدائمة، التي تتملص فيها من كل مسئولية، وتلقي فيها اللوم على كل من حولها، ولا تتواني عن إيذاء الآخرين حتى تتلذذ بمعاناتهم، وتضحك عندما تجدهم غارقين في مشكلاتهم.

إنهم ينجحون في استنزاف من حولهم، والحصول على كل رغباتهم، بل استنزاف عواطف ومشاعر من يتعاملون معهم استنزافًا كاملاً، ويتركونهم روحًا هامدة، ونفسًا منهكة ومتعبة.

وبالنظر إلى واقع ملعب الحياة الكبير الواسع تجد أن هؤلاء الحمادات هم من ينجحون دائمًا في اللعب والحصول على أهداف في مرمى الآخرين، حتى إذا تصادف وأحرز الآخرون هدفًا سحب حمادة الكرة وبكى، واشتكى، ورفض أن يكمل اللعب، فإما أن يكسب وإما لا يلعب.

وحمادة الرجل المتدين لا يتوانى عن استخدم الآيات والأحاديث في توثيق حقوقه ورغباته، والوصول لحالة الفوز الدائم والكسب الذي لا ينقطع.

أما حماده المدير فهو شخص لا يعتمد إلا على الآخرين، ولا يعمل أي عمل بمفرده، وهو يحتاج مساعدة الآخرين دائمًا، ويشكو من كثرة مهامه دائمًا، وتشعر بروح الطفل داخله تسخر ممن حوله وتطالبهم بالمزيد من تحقيق رغباته، وأداء أعماله، أو تأنيبهم على أنهم تخلوا عنه، ولم يفعلوا كل ما يريد.

ترى كم من حمادة حولنا، وكم من متسلق على أكتاف غيره، ومتطفل على من حوله، يأخذ ولا يعطي، يضحك ويسخر ممن حوله؛ فالناس جميعًا خلقوا لأجل رغباته، ووجدوا لأجل تحقيق آماله وأحلامه.

هل يجب علينا أن نستنسخ سر نجاح حمادة؟ ونحن نراه يفوز بكل ما يريد ويأخذ كل ما يرغب، أم ننظر إلى أسلوبه وتلونه على أنه أسلوب سيئ وتلون مقيت؟ وأن نتذكر قيم العدل والإحسان، وأن نتعامل مع من حولنا كما نحب أن يتعاملوا معنا.

إنه التحدي الأخلاقي الصعب الذي يواجه كل منا نفسه في اجتيازه والنجاح فيه.

على أي أساس نتعامل مع من حولنا؟ على أساس المبادئ الميكافيللية المقيتة، وأن غايات مصالحنا تبرر أساليب حياتنا أيًّا كانت؟ أم نتعامل معهم على أساس من العدل والقسط والإحسان؛ فنتلمس حقيقة الإيمان من ضياء قول المصطفى لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

إنه ميزان العدل الصعب والقسط الذي تسقط على أعتابه كل شعارات التدين والتجمل الزائفة.

أما أنا فلا أطيق أن أتعامل مع حمادة أبدًا، حتى وإن اضطررت لتلبية كافة رغباته حتى يرحل عني ويغادر حياتي وأنا أتساءل لماذا لم أصبح حمادة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد