نظريًا انتهى العدوان على قطاع غزة بتوقيع اتفاق تهدئة، لا نعلم إلى أي وقت سيسري هذا الاتفاق، هزيمة معنوية – على الأقل – مُني بها الكيان الصهيوني، فضلًا عن تطور نوعي في الخبرة العسكرية للفصائل المقاومة في القطاع، وبالأخص الفصيل الأبرز الحاكم للقطاع وحجر الزواية بالنسبة للفصائل الأخرى وهو “حركة المقاومة الإسلامية حماس”.

 

هذا الاسم المقاوم حينما تنظر إليه بعين أعدائه وتبحث كيف يرونه، فهذا يساعدك على فهم الكثير من ردود أفعال الكيان الصهيوني تجاه الحركة وحكمها في القطاع .

كتب إهود يعاري –المعلق المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في القناة الثانية بالتليفزيون الإسرائيلي – تحليلًا نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في الثالث من يونيو الماضي، حذر فيه من سير حركة حماس على خطى حزب الله في لبنان، وذلك بالاندماج في منظومة الحكم الفلسطينية الهشة بتمثيل ضعيف ربما يزيد لاحقًا، بينما الواقع يدين لها بالتحكم في الأرض عبر منظمومة عسكرية هي الأقوى في قطاع غزة .

نُشر هذا التحليل بعدما توصلت حركتا “فتح” و”حماس” إلى اتفاق بموجبه حلت حماس حكومتها شكليًا في القطاع، وقبلت الاندماج في حكومة تقودها السلطة في رام الله فعليًا من خلف ستار “التكنوقراط”.

 

لك أن تتعجب من تغيير استراتيجية حماس بعد سبع سنوات تقريبًا من التمسك بشرعيتها في الحكومة، ولكن السؤال ماذا جنت حماس من هذا الاتفاق الشكلي مع حركة فتح؟!

 

قبل الإجابة على هذا التساؤل لك أن تعلم كيف كانت حماس تحكم قطاع غزة، فحكم القطاع لم يكن وثيرًا كما يتوهم البعض، فهناك 40 ألف موظف يمدون أيديهم شهريا مطالبين برواتبهم التي تتعنت السلطة في رام الله في دفعها تارة، وتمنعها سلطات الاحتلال تارةً أخرى، وعلى حماس أن تلبي فهي الحكومة في نظر هؤلاء، وإن لم يعترف بها في العالم سواهم، رغم تبعية هؤلاء الموظفين للضفة.

 

ناهيك عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت عن الحصار، فالوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء حبيس عند الاحتلال بل وشكلت “الكزبرة” و”الدقيق” و”الشيكولاته” خطرًا على أمن إسرائيل، حين وضعتهم في قائمة البضائع الممنوعة من دخول غزة، لأسباب أمنية فما بالك بباقي المواد المعيشية الثقيلة اللازمة الممنوعة من الدخول أيضًا تحت نفس الذريعة .

 

فأصبحت الحركة تلاحق على سد ثغور الحكم، وأصبحت المقاومة في مهب رياح تقلب المزاج السياسي للشعب المحاصر في غزة، بعد أن كانت شيئًا مقدسًا .

 

أدركت حماس أن الحكم لعنة مصابٌ لا محالة بها من يتصدره، فالإرهاق المادي أصابها بسبب مشاكل القطاع المتكاثرة في ظل الحصار، والعنت السياسي الخارجي لم يترك لها سبيلًا إلا استنساخ نموذج حزب الله في لبنان، الذي يتحكم في لبنان دون أن يحكم أو أن يلقى من عنت الحكم شيئًا.

 

فبنظرة سريعة عن تحكم حزب الله في لبنان تدرك حجم الأريحية السياسية التي يتعامل بها الحزب مع خصومه في الداخل اللبناني المعقد أو الخارج الإقليمي والدولي المتربص، حيث يسيطر الحزب على الجنوب اللبناني ويتمترس به عسكريًا ويمثل مركز ثقل له، ولكنه يفضل ألا يستأثر بحكم في لبنان أو سلطة، غير أنه متحكم في عدة قرارات تتعلق بالسلطة في لبنان وإن لم يمكن متحكمًا فمعطلًا بسلطة الواقع والسلاح، الذي رفض نزعه مرارًا وتكرارًا وأن يحل الجيش اللبناني مكانه إلا أن الحزب سمى سلاحه “سلاح مقاومة” ولا يحق لأحد نزعه .

 

هكذا تعلمت حماس الدرس بنوع من البراجماتية السياسية، وذلك بعد تراجع دورالإخوان المسلمين إقليميًا، الذين تعتبرهم الحركة الداعم الأيدولوجي الأول لها، وكذلك حالات الاحتضار للربيع العربي، الذي تعلقت به آمال الحركة في اقتناص وضع جديد بين الحكومات العربية، فأضحت الحركة بعد الكبوة السياسية التي أصابت داعميها شبة عارية أمام تحالف صهيوعربي يريد الإجهاز على الحركة بصفتها ممثلًا للإخوان المسلمين في فلسطين والمهدد الأول لأمن الكيان الصهيوني .

 

هذا وضع حكم حماس للقطاع، فبالعودة للسؤال الأول ماذا جنت حماس من هذا الاتفاق الشكلي مع حركة فتح الذي بموجبه تركت السلطة في الوزراة الائتلافية واكتفت ببعض المقاعد الوزارية غير الهامة، تجد أن حماس قد تخلصت من قيد الحكم ودخلت في طور التحكم ففعليًا لم تترك حماس حكم القطاع إلا اسمًا.

 

فالجهاز البيروقراطي المحلي في القطاع خاضع لحماس فعليًا، والجهاز الأمني الشرطي بالقطاع قوامه أكثر من 20 ألف شخص تم تدريبهم على يد الحركة والأجهزة المخابراتية والأمنية التي تشكلت في القطاع عقب الحسم الأمني في عام 2006 تحت السيطرة الكاملة للحركة، فلا مجال للحديث عن ترك السلطة إلا شكليًا وإنما مقاليد القطاع في يد الحركة .

 

هذا الاتفاق أيضًا بموجبه تتفرغ الحركة وذراعها العسكري “كتائب الشهيد عز الدين القسام” للتطوير العسكري، الذي سيدخل مراحل أكثر تقدمًا مما ظهر عليه في الحرب الأخيرة، حال نفض يد حماس من أعباء الحكم، وذلك أيضًا بعد فقدان حليف عسكري قوي كإيران بسبب الموقف من الثورة السورية .

كما تسعى حماس لتغلغل سياسي في بنيان منظمة التحرير الفلسطينية، للتأثير على المفاوضات مع الكيان الصهيوني، مما يهدد مسألة الاعتراف بدولة إسرائيل، إذا اعترف العالم بحماس كممثل عن الشعب الفلسطيني، في أي تفاوض قادم بعد إرهاصات الحديث عن انضمام الحركة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تتولى التفاوض المباشر مع الاحتلال، مما يعد تطورًا نوعيًا في رؤية حماس لاستراتيجية الصراع الدائر.

وهذا مكسب ترنو حماس إليه خصوصًا وأن بعد هذا الاتفاق ستفتح أبواب الضفة أمام الحركة بأجندة جديدة بالتأكيد تبغضها إسرائيل، وهذا يفسر استشاطة الاحتلال غضبًا من هذا الاتفاق وتهديد عباس مباشرة إما التخلي عن هذا الاتفاق أو وقف أية مفاوضات، وكذلك حربه المسعورة الأخيرة على القطاع لمنع ظهور حزب الله جديد في قطاع غزة .

 

وهذا ما نستخلصه من ترتيب الأحداث أن حماس عمدت إلى ذلك من خلال استراتيجية

 

التحكم لا الحكم .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حماس, غزة, فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد