(1)

يوم انطلقت حماس كفصيل وطني تحرري في ديسمبر عام 1987م؛ لتسهم إسهاماً جاداً في تعزيز الحراك الشعبي الثوري لما سمي بانتفاضة الحجارة، فهي ما حركت الجماهير الغاضبة من المساجد التي عملت فيها (حماس) منذ تشكلت في مراحل تخلقها الأولى.

 

فالمساجد بالنسبة لحماس هي الحاضنة التربوية وهي المنطلق الدعوي، وفيها حلقات التعليم، ومنها تنطلق نداءات المواجهة والخطابات الإعلامية وحملات الإغاثة والإعانات، فمن خلالها كانت البدايات يوم كانت تسمى تشكيلات الإخوان الأولى بأبناء المساجد، وفرقهم الرياضية بفرق المساجد؛ لأنهم فعلاً ثمرة المساجد والموائد القرآنية، وجلسات الذكر وتعليم القرآن. كان ذلك قد سبق بمدى عقدين أو يزيد قبل البيان الأول الذي حمل اسم حركة المقاومة الإسلامية.

 

ومعنى أن ينزل أبناء المساجد في الميادين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشريف؛ ليواجهوا المحتلين يعني ذلك لجموع الشعب الفلسطيني أنها نقطة تحول تاريخي جاءت  مفاجئة لكل المتابعين والمراقبين، وباغتت هذه الانطلاقة سلطات الاحتلال التي لم تكن تعلم حجم العداء الذي يعتمل في قلوب فتية المساجد من الممارسات العنصرية والسلوكيات السادية التي كانت تمارسها الإدارات العسكرية الحاكمة في الأراضي الفلسطينية عام 1967م.

 

(2)

أما وقد استمر الحراك الثوري إبان الانتفاضة الأولى في تصاعدٍ نوعي، فقدمت حماس فيه نماذج معتبرة في كل ساحات العمل الثوري، فكان الشيخ الموجه أحمد ياسين، والقائد الفذ الطبيب عبد العزيز الرنتيسي، والجنرال الشهيد عماد عقل، والعقل المهندس يحيى عياش، والمفكر الثوري الطبيب إبراهيم المقادمة، والقائمة تطول لهذه النماذج الفذة في العمل الوطني المقاوم وما أحدثوه من تطور نوعي في المسير التحرري.

 

غير أنَّ أوسلو قطعت هذا المسير التحرري المبارك لسبع سنوات عجاف، احتملت فيه حماس كل ألوان الضيم والتضييق والملاحقة، وحرصت ألَّا تنزلق في الاحتراب الداخلي الذي انتظره الاحتلال على أحرِّ من الجمر.

 

ولكن حماس قد عملت بموازاة صبرها على أذى القريب، الإعداد للجولة القادمة من تنشئة الجيل المقاتل من أجل الحرية، فرسخت في الأجيال عقيدة الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، وأنَّ الضعف الطارئ للأمة لا يبرر الاعتراف بحق مُدَّعي بالباطل الذي مُدَّ بحبل من الناس.

 

ولكن ما إن كانت الجولة الثانية (انتفاضة الأقصى) فإذا بحماس أشد وطأة، وأقوم صلباً، وأكثر صدقاً، وأجدى فاعلية في المواجهة مع الاحتلال الذي انقلب على كل التزاماته بعدما أدت السلطة الذي عليها بالباطل وزيادة.

 

ومرة أخرى توقف المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، ولوحقت من قبل أجهزة السلطة هناك بداعي لا لعسكرة الانتفاضة، وقد أعاد المجرم أرئيل شارون رسم الحدود الميدانية في عملية السور الواقي التي اقتحم فيها عاصمة الاستشهاديين (جنين القسام) وجبل النار نابلس وخليل الرحمن، وحاصر الرئيس أبو عمار في المقاطعة، ونُصِّب علينا أبو مازن (كرازي فلسطين) كما أسماه الراحل أبو عمار، وتولى إدارة ملف المال موظف النقد الدولي سلام فياض.

 

(3)

ولكن في غزة كانت الأحداث فيها يصنعها الميدان الذي تجذر فيه القسام وأذرع المقاومة الأخرى، وقد حاولت عصابات أمنية مجرمة أن تغرقه في دوَّاماتٍ من العنف والانفلات، ولكنها فشلت في النفاذ من أي طريقٍ إلى المقاومة المسلحة المنصرفة بكليتها يوم ذاك في صناعة المواجهة مع الاحتلال والتطوير والإعداد لما هو قادم.

 

حتى كان الانسحاب الأحادي بعد أن عجزت الآلة الصهيونية في حماية القرى المحصنة من حمم قذائف الهاون والأنفاق الهجومية البركانية؛ فتم الانسحاب عام 2005 تاركة سلطة عاجزة أعياها صراع النفوذ بين أقطابها، وكانت المقاومة المسلحة وفي صلبها القسام فتيَّةً شابة في تطور مستمر.

 

وبعد تفكير وتقدير دُعيت حماس لتشارك في الانتخابات البرلمانية بعد تفاهمات القاهرة الشهير2005، وقد تم فيه الاتفاق على رزمة متكاملة تحت عنوان (شركاء في القرار شركاء في المصير).

 

وبموجب هذه التفاهمات مرَّرت حماس الانتخابات الرئاسية التي تقدم فيها مرشح حركة فتح وزعيمها السيد محمود عباس في سباق غير متكافئ بعد أن امتنعت الأولى عن المشاركة فيها أو بمرشح تدعمه.

 

(4)

لكن ما أخرج القطار عن سكته هو أن تفوز حماس فوزاً ساحقاً في نتائج الفرز للمجلس التشريعي فتصدرت القوائم والأفراد في نسبة تقترب من الثلثين، فإذا بمسيرات الانفلات على رأسها زعيم التنسيق الأمني محمد دحلان تطوف في شوارع خان يونس ورفح في حالة هستيرية وهذيان؛ لينذرا عن توجه دموي يحرق الأخضر واليابس.

 

وكانت قد تشكلت العصابات وفرق القتل والموت، وبدأ تمرد الموظفين عن القيام بواجب الوظيفة العمومية.

 

كل ذلك كي تعلن حماس العجز والانسحاب من المكان الذي قدمتها فيه إرادة الجماهير الحرة، شهدتها أول انتخابات برلمانية نزيهة يشارك فيها كل ألون الطيف السياسي.

 

وعندئذ وفقت حماس بين خيارين لا ثالث لهما.. إما أن تواجه فرق الموت وأزلام الفساد، أو تنسحب من المشهد السياسي تاركة الساحة لمن لفظتهم الإرادة الشعبية!

 

فاستقر لدى حماس أن الواجب حماية إرادة الجماهير فعزمت على تشكيل الحكومة الفلسطينية حتى لو تُركت لوحدها، وأن تواجه في الوقت نفسه الانفلات الأمني الموجه بقوة وحسم لتوقف دائرة الدم.

 

وقد تدحرجت الأحداث إلى أن تفككت القوى الأمنية المنفلتة عن إرادة الحكومة الفلسطينية المشكلة من خلال برلمان فلسطيني يمتلك شرعية مستمرة ما لم تجر انتخابات أخرى.

 

وفي الضفة الأخرى أعلن السيد عباس عن تشكيل حكومة فلسطينية برئاسة رجل المال السيد سلام فياض، دون أن تعرض على المجلس التشريعي الذي منع انعقاده في الضفة الغربية، وهكذا تشكلت حكومة أمر واقع هناك.

 

(5)

وبعد سبع سنوات من هذا الانقسام أعلن عن اتفاق الشاطئ الذي كان عبارة عن بنود عامة، تحيل إلى تنفيذ اتفاق المصالحة الذي رعته القاهرة، فتشكلت حكومة توافق وطني في ثوب تكنوقراط؛ لتنجز مهمات وطنية محددة في مدة ستة شهور، برئاسة الأكاديمي رامي الحمد الله.

وقد قضت من الزمان ضعفي مدتها دون أن تقدم شيئاً يُذكر في أي من الملفات الموكلة لها، بعد أن قيد حركتها السيد عباس الذي ينتظر من غزة أن يبلعها البحر أو تبلع البحر..!

 

وغزة تتألم في كل ساعة بفعل الحصار والتضييق، والسيد عباس يخترق حاجز الثمانين من العمر، ولكنه لا زال ينتظر انتفاضة مسلحة في وجه شركاء الوطن.

 

ومرة أخرى يدشن عباس فشلاً آخر بهذا الرهان في مضمار مسيره ومصيره؛ ليس لأنه يخطط للفشل، ولكنَّه يفشل في التخطيط الصحيح، فمن يراهن على انكسار إرادة المقاومة والحرية أمام إرادة العيش على الفتات من موائد اللئام فهو واهم، ومن يظُن أنَّ غزة التي واجهت كل عدوان بقوة وبسالة ستقاتل رجالها فهو مأفون..!

 

 

حماس.. تعزيز لإرادة المقاومة وواجب الريادة الوطنية (2-2)

 

(6)

بدون شك كانت حماس في انطلاقتها إبَّان الانتفاضة الأولى نقلة نوعية للعمل الشعبي المقاوم، فقد أسهمت اسهامات مشكورة في الفعل الثوري وتعزيز الانتماء الوطني الفلسطيني، وعملت على إحياء ما اندرس من قيم نبيلة، وأعادت الاعتبار للهوية الوطنية الإسلامية في مواجهتها للثقافات الوافدة والأفكار الداعية إلى الإلحاد والقيم الهابطة.. وغير ذلك الكثير.

 

لكن ماذا على حماس حتى تكون رائدة في قيادة المشروع الوطني نحو انجاز التحرير الكامل لكل التراب الفلسطيني؟

 

نعم، سؤال يُوجب على حماس كحركة وقيادة إجابة عملية كي تدشن هذا الاستحقاق الوطني، سيما وأن الإرادة الشعبية الحرة قد قدمتها في مواقع عدة، فمن أبرزها ما كان في نتائج انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 وما سبقها من انتخابات مجالس البلديات وكذلك الانتخابات النقابية والطلابية..

 

(7)

وهذا ما يعكس قوة حضور هذه الحركة الفلسطينية الوطنية في ضمير ووجدان الشعب الفلسطيني الذي اختبرها في محكَّات وطنية كبرى ونجحت في تجاوزها بأقل كلفة وأكثر جدوى، فاحتملت مشقة الصعود الثوري، حيث قدمت نماذج في العمل الوطني الميداني والسياسي أصبحوا رموزاً وطنية تتغنى بها الأجيال.

 

وأعدت جيد في بناء جيشاً وطنياً قوياً (كتائب عز الدين القسام) في ظروف بالغة الصعوبة، وانتجت سلاحها الذي قصفت به في الحروب الثلاث كبر المدن المحتلة سنة 1948م، ومنظومة أمنية مشهود لها بالكفاءة والمهنية في حفظ الجبهة الداخلية من أية اختراقات خارجية.

 

كما أنشأت حماس منظومة مؤسسات تعليمية واجتماعية ورياضية واقتصادية كانت محط اعجاب وتقدير في أوساط الشعب الفلسطيني، وشيدت منظومة من العلاقات الوطنية قائمة على الاحترام المتبادل وتبادل الأدوار بما يخدم المصالح الوطنية الكبرى.

 

وأكثر من ذلك استطاعت حماس ترجمة الإرادة الوطنية في مواجهة الاحتلال، وامتلكت إرادة الفعل الثوري في ظل استسلام حركة فتح كتنظيم أمام تفرد السيد عباس الذي يقودها نحو مسار وحيد وخيار أوحد بعد أن تجردها من كل أوراق القوة التي لا يؤمن بأهمها وهي المقاومة المسلحة.

 

فلم يعد في الساحة الاقليمية والدولية حقيقة من يتجاوز حماس في أي ترتيبات قد تطرح إقليمية أو فلسطينية، فقد أصبحت حركة صانعة للأحداث متفاعلة معها في إطار رؤية وطنية فلسطينية بعيداً عن المحاور المتنازعة.

 

(8)

فقد عملت حماس جاهدة النأي عن الخلافات العربية الإسلامية البينية بل تقدمت خطوة في هذا المضمار إذ حرصت على توحيد المواقف العربية والإسلامية لنصرة القضية الفلسطينية تحت شعار (فلسطين والقدس توحدنا).

 

ما كان لحماس أن تتصدر المشهد الفلسطيني المقاوم وتتسيَّد في ميادين المواجهة مع الاحتلال، لولا أنها أعدت لهذا الأمر إعداداً مشكوراً، فكان له أثره المباشر في رفعت مكانة القسام بين الأذرع المقاومة.

 

وهذا ما يوجب على حماس أن تعمل جاهدة؛ لتستكمل بناء ذاتها في مضمار العمل السياسي من خلال حزب سياسي وطني جامع، يعمل وفق برنامج وطني يتسع للكل الفلسطيني، ويأخذ على عاتقه قيادة الدفة السياسية نحو التحرير لكل فلسطين، وإن تطلب الأمر مرحلية التحرير فهذا ما يسعه فقه السياسة الشرعية ما لم تقر لباطل بحق لا يستحقه.

 

كما أن الواجب على حماس بناء استراتيجية مجتمعية، تأخذ في عين الاعتبار التنوع الثقافي، والتعددية السياسية والدينية، وإن كان الشعب الفلسطيني في أغلبه الأعم مسلم الديانة سني المذهب إلا أن الجميع يجب أن يكونوا شركاء في المصير وشركاء في القرار.

 

(9)

والواجب كذلك على حماس وهي في نحوها لريادة المشروع الوطني الفلسطيني أن تعيد خطابها الإعلامي بما يتوافق مع الارتقاء النوعي لحالتها التنظيمية، وقرأتها للمشهد السياسي، وإيمانها بالتنوع الثقافي للمجتمع الفلسطيني، وأن تبتعد كل البعد عن الأنا الحزبية في خطابها وممارساتها فهي المهلكة.

 

وكما أن الواجب في تصدر المشروع الوطني كفاية حاجات الناس الأساسية من خلال بناء اقتصادي وطني حقيقي يوفر حياة كريمة، يحافظ على الطبقة الوسطى ويردم الفجوات الاجتماعية المتفحشة.

 

والواجب كذلك لتصدر المشروع الوطني أن توظف حماس كآفة الشرائح المجتمعية في مشروع التحرير، وتحسن توجيه الكل الفلسطيني في كل مناطق تواجده في الداخل الفلسطيني أو في الشتات نحو خيار التحرير، بعد تحديد الواجب على كل منطقة يتواجد فيها الفلسطينيون.. فالواجب الوطني في حق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة غيره في حق الشعب في الضفة الغربية وغير ذلك يكون في حق الشعب الفلسطيني في الداخل 48.

 

(10)

وهكذا حتى ينتظم الشعب الفلسطيني في إطار منظومة وطنية كبرى تأخذ على عاتقها جميعاً كلفة التحرير ولا يترك جزء من الوطن – كما هو الحال في غزة-  ليسدد فواتير التحرير وحده، فإذا ما انتظم الكل الفلسطيني في مشروع وطني تحترم فيه التنوعية الثقافية والسياسية ينعكس هذا الاحترام على لغة الخطاب الإعلامي والممارسات الإجرائية، عندئذ يمكن العمل الجاد في توظيف العمق العربي والإسلامي والإنساني في خدمة قضايانا الوطنية المصيرية، والتصدي بكل الأدوات الممكنة في مواجهة الاحتلال العنصري الغاشم.

 

فإن حماس اليوم وكل القوى الوطنية الحية على عاتقها حمل ثقيل وأمانة وطنية كبرى، فلا ينبغي بحال أن تتلكأ في القيام بهذا الواجب إن كانت تريد أن تنجز مهمة التحرير مع الشعب الفلسطيني نيابة عن الأمة، وإلا فإن سنة الله الكونية ماضية “وأن تتولوا يستبدل قوما غيركم”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد