منذ اليوم الأول لانطلاق مسيرات العودة السلمية على الحدود الشرقية لقطاع غزة أبهر الشعب الفلسطيني الجميع بإدراكه لأساليب المقاومة الشعبية، لم أكن أراهن كثيرًا في البداية على نجاح مثل هذه الفعالية وكنت أظن أنها مجرد فقاعة في الهواء ستختفي سريعًا، لكن الفلسطينيين قادوا شيئًا مختلفًا هذه المرة واستطاعوا تحويل أنظار العالم من جديد إلى جوهر الصراع العربي الإسرائيلي.

ما حدث كان شيئًا عظيمًا، الإطارات المطاطية «الكوشوك» والمرايا وغيرها من الأدوات التي لم يعتد الفلسطينيون استخدامها أصبحت الآن وسيلة المتظاهرين في مواجهة جيش مدجج بالأسلحة الثقيلة، ليضعوا جيش الاحتلال في ورطة أمام المجتمع الدولي ولنستعيد صورة انتفاضة 1987، بأدواتها المميزة، من قذف الحجارة باليد أو «المقلاع»، وحرق الإطارات المستعملة، ورفع الأعلام الفلسطينية، والحشد الجماهيري في جنازات تشييع الشهداء، بما يؤدي إلى إفقاد الإسرائيليين صورة الضحية الدائمة منذ «الهولوكوست»، فها هي قوات الاحتلال تستهدف عبر قنّاصتها، بعنصرية مفرطة، متظاهرين مدنيين، لا يشكلون أي خطر عليها.

ولعل الربط المبدع بين حق العودة والذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض الفلسطيني، يُعيد تعريف جوهر الصراع مع دولة الاحتلال، ويُظهر «السردية الفلسطينية»، ويؤكد أن قضايا اللاجئين والعودة والأرض، والقدس خصوصًا، لا يمكن تأجيلها كما حدث في اتفاق أوسلو، وإنما لا بد من التمسك بالحقوق، في مواجهة «السردية الصهيونية».

ولكن وكالعادة بدأت حماس بممارسة عادتها لتحاول سرقة هذا الإنجاز الشعبي، وهذا ليس غريبًا عليها فهي متمرسة في هذا منذ نشأتها، فهي من سرقت شعلة الانتفاضة الأولى من حركة الجهاد الإسلامي ونسبت الكفاح الإسلامي المسلح وأسبقيته إليها، وهذه ليست السرقة الأولى ولن تكون الأخيرة، فالتاريخ يشهد على تمرس الإخوان المسلمين في ركوب الثورات والهبات الجماهرية وجميع تلك الموجات التي ركبوها أُخذت عليهم وكانت سببًا في إفشالها لاحقًا، لا أحد ينكر قدرة حماس اللامتناهية في سحب بساط النجاح وتبني أي فكرة وقولبتها وفق ما يسند حماس ومشروعها السياسي، لقد اعتادت حماس سرقة كل شيء ناجح ونسبه إليها لتظهر بصورة حامية المشروع الوطني والذي لا يمت لها بصلة فنجد هنية الآن وخلفه رموز النضال السلمي كأمثال غاندي ومانديلا يتحدث عن ثقافة اللاعنف في مصطلح جديد تحاول حماس تبنيه لكسب رضا الأوروبيين والغرب في محاولة يائسة منها للانسلاخ من ثوبها الإخواني المستأصل.

مسيرات العودة السلمية بدأت بمصطلح شعبي متفق عليه وهو «أنا راجع» ومع انخراط حماس وقادتها في المسيرات بدأ يظهر مصطلح «العودة وكسر الحصار» ليتحول توظيف الغاية من مسيرات العودة عن كونها مسيرات شعبية ثائرة إلى مسيرات منظمة ومخططة من قبل حركة حماس، وهذا ظهر جليًا من خلال الأخبار المتداولة والعروض المنهمرة على حماس بالتسهيلات والإغراءات في الوضع المعيشي لقطاع غزة والتفاوض معها كونها هي المسير لهذه الهبة الشعبية وهو أمرٌ غير حقيقي ومسروق كما أسلفنا سابقًا.

إن تصدر حركة حماس وقادتها لمشهد مسيرات العودة ما هو إلا ركوب للموجة الشعبية الهادرة ولن يستفيد منها الشعب الفلسطيني، وهو أمر يخدم الاحتلال فقط في سياق دعايته على كون هذه المسيرات عنيفة.

ولكي تبلغ مسيرة العودة غاياتها النبيلة، ينبغي ضمان استمرارها وتحصين مسارها، من الانجراف نحو التوظيفات السياسية التكتيكية، لذا يا قادة حماس فلتكونوا وطنيين بحق ولتتركوا ميدان العودة للمواطن الفلسطيني فقد بلغ من الحنكة والإرادة ما يمكنه من صنع ما فشلتم أنتم وغيركم على مدار عقود على تحقيقه، لا تفسدوا إرادة شعب خرج طالبًا أرضه ولتكونوا وطنيين بحق وتلزموا ثكناتكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد