على مدار أسابيع كان الحديث كله يدور حول مصالحة بين حماس ومحمد دحلان، يدخل على أثرها دحلان إلى قطاع غزة، مقابل إمداد القطاع باحتياجاته من وقود وسلع ورواتب؛ لتكون هذه هي خطوة أولى فى طريق دحلان نحو رئاسة فلسطين. وكانت تلك الخطوة كما هو واضح للعيان مدعومة من قبل مصر والإمارات وإسرائيل، وقد عقدت عدة اجتماعات في القاهرة للتمهيد لتلك المصالحة.

 

وبينما كان الجميع يستعد لتلك المصالحة فوجئنا بمصالحة أخرى تتم بين حماس ومحمود عباس وتتم أيضًا بمباركة مصر التي كانت تسعى منذ أيام لإتمام مصالحة مناقضة لتلك المصالحة في أطرافها وأهدافها. لا ندري ما الذي دار فى الكواليس وغير دفة الأمور من مصالحة برعاية مصر والإمارات هدفها عزل محمود عباس من الرئاسة الفلسطينية، إلى مصالحة برعاية مصر ستؤدي إلى تقوية موقف محمود عباس في الداخل الفلسطيني.

 

إن حماس بلا شك كانت مدركة إلى أن دخول دحلان إلى قطاع غزة مهما كانت الوعود والطمأنات ستكون نتيجته تقويض المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وربما وجدت حماس أن هناك فرصة لأن تلعب على الخلافات بين أجهزة الدولة في مصر، فتحركت بدعم من بعض تلك الأجهزة تجاه محمود عباس في مقامرة سياسية، إذا نجحت ستمكن الحركة من التقاط بعض الأنفاس التي حبستها في سنوات الحصار؛ حتى أصبح القطاع على وشك الهلاك.

 

المصالحة بين محمود عباس وحماس لا تأتي على هوى إسرائيل والإمارات والرئاسة المصرية، وستسعى بكل السبل لإفشال تلك المصالحة، وأول خطواتها هى ضغط إسرائيل على محمود عباس ليعمل على نزع سلاح حماس، وهو ما صرح به أمام الإعلام المصرى وهو أمر كفيل بإفساد المصالحة، لأن حماس لن ترضى به أبدًا. ولكن محمود عباس تحت ضغوط إسرائيل سيواصل ضغطه على حماس، وقد بدأ ذلك بالفعل بعدم تعليق العقوبات الموقعة ضد القطاع واستمرارها، بالرغم من المصالحة.

 

إن حماس تراهن فى إنجاز تلك المصالحة على أمرين الأول هو ضغط الشارع الفلسطيني الذى يرغب فى إتمام المصالحة، والثاني إدراك محمود عباس أن التقارب بين حماس ودحلان ستكون نهايته الإطاحة بأبي مازن.

 

أما أبومازن، فبالرغم من إدراكه لنتائج التحالف بين حماس ودحلان ورغبته في قطع الطريق على مثل هذا التحالف، إلا أنه في نفس الوقت يريد أن يثبت لإسرائيل أنه يستطيع أن ينفذ في قطاع غزة ما وعدهم دحلان بتنفيذه، وهو نزع سلاح المقاومة أو على الأقل السيطرة عليه، والحد من قدرات القسام في مواجهة غزو إسرائيلي محتمل للقطاع، ليثبت لهم جدارته بكرسي الرئاسة.

 

ولكنه سيفعل هذا كمن يسير على حبل مشدود فى الهواء، فهو يريد أن يضغط بقوة تقنع إسرائيل بجدارته ولا تثير فزع حماس منه، فكيف سيحقق تقدم في قضية سلاح المقاومة يرضي إسرائيل ولا يغضب حماس؟ هذا هو اختبار أبي مازن. أما حماس فعليها أن تقاوم ضغوط أبي مازن، دون أن تظهر أمام الرأي العام الفلسطيني بمظهر من يضع العراقيل أمام المصالحة حتى يستمر ضغط الداخل الفلسطينى على أبي مازن من أجل إتمام المصالحة.

 

إن ما يحدث في القطاع الآن هو نموذج لصراع سياسي معقد للغاية لا يعرف أحد كيف سينتهي، ومن سيحقق مصالحه فيه، خاصة مع وجود أطراف عديدة لها مصالح متشابكة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد