الحالة النمطية للبرامج السياسية والسلطة في الوطن العربي غالبًا ما تقوم على تنافس محموم بين الإسلاميين والعلمانيين على الحكم والسلطة، في وقتٍ تراجعت فيه فاعلية اليسار، وانحسر جمهوره بعد أفول نجمه في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وانهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان يُشكل دعامة معنوية لهم.

على الرغم من أن فلسطين محتلة وفيها كل أسباب عدم ممارسة السياسة على طريقة الدول المستقلة أي «التنافس بين الأحزاب» على الحكم، إلا أن الاحتلال وأسبابه لم تشفع للوحدة، ولم تجعل منها ضرورة حتمية لا تقبل الأخذ والرد، والأسباب في ذلك تباين المشاريع الوطنية من جهة، والبُعد الإيديولوجي من جهة أخرى.

فتح في رام الله، وحماس في غزة، هو عنوان المشهد الفلسطيني المنقسم على نفسه، مع نهاية هذا العام وبداية العام الجديد تدخل حركتا حماس وفتح عامًا جديدًا على نشأتهما ففي 14 ديسمبر (كانون الأول) يصادف انطلاق حركة حماس، وبهذا تكون الحركة أتمت عقدها الثالث، وفي الفاتح من يناير تتم فتح العام 52 على نشأتها.

تاريخ الانشقاقات داخل حركة «فتح»

سمحت تركيبة فتح بانضمام عناصر متباينة، وتيارات فكرية مختلفة، وقد اعتبرت الحركة ذلك من مزاياها التي تفردت بها بين فصائل الثورة الفلسطينية. لكن هذا التنوع كانت له بعض السلبيات التي ظهرت على شكل تمردات أو محاولات للانشقاق بين الحين والآخر، ولم يكن الانضمام إلى فتح فقط بعناصر مختلفة بل بـِ«انصهار فصائل برمتها داخل الحركة»، وهذه أبرز محاولات الانشقاق:

– انشقاق أحمد جبريل وعودته إلى تنظيمه القديم بعد فشله في التوسع والسيطرة على الحركة.

– انشقاق صبري البنا بتحريض من النظام العراقي، لكن سرعان ما عادوا إلى الحركة بعد أن قام عرفات بشراء ذمم من كان مع البنا في عام 1974.

– انشقاق أبي خالد العملة ومن معه من حملة الأفكار الماركسية عام 1976.

– انشقاق عبد الكريم حمدي تحت شعار مسيرة التصحيح في عام 1980، ولكن سُيطر عليهم وأعيدوا إلى الحركة في لبنان.

– الانشقاق الكبير عام 1983 والاستيلاء على مكاتب فتح والاشتباك بالأسلحة.

– في الأردن عام 1986 تزعم أحد قادة جيش التحرير اللواء عطا الله عطا الله أبو الزعيم تمردًا، وفشل التمرد لغياب رغبة حقيقية.

– الانقسام القائم اليوم بين محمود عباس والقيادي المفصول من الحركة محمد دحلان.

شيخوخة فتح

إن المتمعن في المشهد الفلسطيني يدرك تمامًا أن منظمة التحرير وحركة فتح والسلطة الفلسطينية والمجلس الثوري، هي كلها مسميات لجسم واحد لا ينفصل بعضه عن بعض، ومخرجاته واحدة في إشارة إلى فشل سياسي وإداري وتنظيمي في الفصل بين هذه الكيانات، الأمر الذي أدى الى تراجع دورها إلى الحضيض «هذا إن لم يكن منعدمًا أساسًا» فأكثر ما يمكن أن تفعله هذه المسميات هو إصدار البيانات التي لا ترقى إلى الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني.

وفي إعلان ترامب القدس عاصمة للاحتلال، كان الاختبار الحقيقي لعبثية مسار التسوية الذي انتهجته فتح، وما زاد الطين بلة ذلك الخطاب الذي خرج به الرئيس عباس للرد على إعلان ترامب، وبذلك نستطيع القول إن حركة فتح وصلت إلى سن الشيخوخة من حيث الإداء السياسي والعسكري، أضف إلى ذلك السن الحقيقي لقيادات الصف الأول في الحركة؛ فغالبيتهم جاوز الستين، فيما يعتلي الرئيس عباس القمة بِـ83 عامًا.

مشايخ حماس

أكثر ما يميز حركة حماس هو النظام الداخلي لها، ومعايير قبول الأعضاء، وتدرج سُلم القيادة فيها، إذ وضعت الحركة أسسًا ومواصفات صارمة للدخول إليها، الأمر الذي انعكس إيجابًا على تماسك الحركة في مسيرتها وصلابة الموقف ووحدته، نسمع الكثير من الشائعات عن وجود انقسامات داخل الحركة، لكن لا يوجد ما يثبت ذلك طالما أن الأمر لم يترجم، لا في الإعلام، ولا في المواقف، ولا على الأرض حتى.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها على الساحة الفلسطينية «مغادرة مشعل» من رئاسة المكتب السياسي لحماس عبر الانتخابات الداخلية للحركة، الأمر الذي يعد تطورًا للحالة الديمقراطية الداخلية ونضوج السلوك السياسي أكثر فأكثر بفعل التجربة.

حماس اليوم بلغت العقد الثالث في مسيرتها وهي تحمل مشروع كل فلسطين، وإن كان هناك إشارات قد تكون سلبية حول تعديل وثيقة حماس والبند الخاص في القبول بدولة 1967 إذ انقسم المحللون إلى اتجاهين إزاء هذا البند:

الاتجاه الأول: أن حماس تمهد الطريق إلى أوسلو جديد، أو تسوية ما بالتدريج على غرار المنظمة.

الاتجاه الثاني: أن الإعلان مجرد مناورة للانفتاح على العالم الغربي، لا سيما أن الإعلان يلفه الغموض و يرافقه بنود أخرى تؤكد على كل فلسطين بخيار المقاومة المسلحة، وما يدعم هذا التوجه تصريح يحيى السنوار قائد حماس في غزة قائلاً: «لقد ولى الزمن الذي يطلب فيه من حماس الاعتراف بإسرائيل».

لا شك أن العُمر الافتراضي للحركتين رهين بالإنجازات الحقيقة وجودة المشاريع المطروحة، فعندما بلغت فتح العقد الثالث كانت قد وضعت البندقية، ونبذت العنف ودخلت في التسوية، أما اليوم فحماس التي أتمت العقد الثالث نستطيع القول إنها أسست بؤرة نظيفة وعصب مقاومة عصي على الكسر، على الرغم من صعوبة الظروف قياسًا بالظروف والفرص التي أُتيحت لفتح، والمفارقة المهمة اليوم أنه منذ الانتفاضة الأولى إلى اليوم أن فتح اتخذت الكفاح المسلح تكتيكـًا تُرجم ذلك بأوسلو وما بعده، وأما حماس اتخذت المقاومة استراتيجية لها، يظهر ذلك من خلال الصواريخ التي وصلت حيفا والحروب المتكررة، ومحاولات البعض قطع الهواء عنها.

فحماس اليوم تذهب في المصالحة بعيدًا دون تردد، وتسمح للفصائل الصغيرة بالمقاومة وتنسحب من المشهد كي لا تكون شماعة كما جرت العادة، ثم تخاطب عبر القسام بأنها على أتم الاستعداد للمواجهة، وفي شأن العلاقات مع مصر تتوجه بكل ود غير الموجود أساسًا لدى الأخيرة، لكن للحفاظ على متنفس ولو كان ضيقًا، فيما تبقى العلاقات مع تركيا وقطر وإيران في أوجها دون أن تغلق الباب في وجه السعودية ومن معها، حماس تضغط على الجميع بسياسة خشنة ناعمة، ثم ترمي الكرة في ملعب الجميع وهي اللاعب الأقوى.

ولو جرت انتخابات نزيهة فإن حماس لها الحظ الأكبر بالفوز فيها، انطلاقـًا من التزام الحركة بالكفاح المسلح والثوابت الفلسطينية، زد على ذلك القوة العسكرية التي راكمتها في قطاع غزة، وما يدعم هذا التوجه هو آخر استطلاع للرأي العام أول أمس؛ إذ طالب 70% من الفلسطينيين الرئيس عباس بالاستقالة، وفي الشخصيات البديلة لعباس من مدرسة فتح فهي عباس بوجهٍ آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك