تعتبر علاقة حركة «حماس» بالمحيط الإقليمي والعربي جزء أصيلًا من رؤيتها لتحرير فلسطين، فمنذ انطلاقها قبل  29 عامًا مضت في 14/12/1987م؛ وهي تؤكد في ميثاقها أن تحرير فلسطين لابد أن يمر عبر تكامل ثلاث دوائر، هي الدائرة الفلسطينية والدائرة العربية والدائرة الإسلامية. ولما كان تواجد حماس في تلك الدول هو بحكم التواجد القسري للمهجرين الفلسطينيين؛ حيث أماكن اللجوء والهجرة الفلسطينية منذ عام 1948م؛ فإنها أولت اهتمامًا استراتيجيًا بتوثيق علاقتها بتلك الدول سياسيًا ودبلوماسيًا، كل بحسب ما سمحت به الظروف؛ ولعل المملكة الأردنية الهاشمية هي أبرز الدول العربية التي ربطتها علاقات مباشرة ورسمية مع حركة حماس.

لا ينكر أحد أن الفلسطيني في الأردن يتمتع بأعلى مستوى حقوق مدنية وسياسية على الإطلاق، فهو يشارك في الانتخابات كمواطن أردني كامل الحقوق. كما أن طبيعة الحكم الملكي والتواجد الطبيعي للفلسطينيين في الأردن، جعل الأردن هي الدولة الأولى التي يُعلَن فيها عن الوجود الرسمي لحماس تحت عنوان «مكتب إعلامي» عام 1991 يرأسه المهندس «إبراهيم غوشة» ثم «مكتب سياسي» عام 1992م برئاسة «موسى أبو مرزوق» خلفه فيه خالد مشعل عام 1996.

وقد تمت موافقة الحكومة الأردنية على استضافة المكتب السياسي لحركة حماس، بعد مغادرته للكويت على خلفية حرب الخليج الثانية 1990. وكان ذلك الوجود الرسمي لحركة حماس في حدود النشاط السياسي والإعلامي في الساحة الأردنية على أنْ لا تتدَخَّل في الشأن الأردني، وألا تقوم بأية عملياتٍ عسكريةٍ انطلاقًا من الأردن. تلك العلاقة التي عبر عنها الملك حسين بقوة من خلال ضغطه على إسرائيل للإفراج عن مؤسس الحركة الشيخ «أحمد ياسين»؛ كرد فعل على محاولة اسرائيل اغتيال رئيس مكتبها السياسي «خالد مشعل» في عمان عام 1997.

ولم تلبث تلك العلاقة بين حماس والسلطات الأردنية أن توترت بعد تنامى دور حماس، وتوجست السلطات الأردنية خيفة ؛ فتم إبعاد القياديين «موسى أبو مرزوق» و«عماد العلمي» من الأردن سنة 1995، استجابة لمتطلبات مؤتمر «محاربة الإرهاب» في شرم الشيخ في سنة 1996، والذي انعقد على خلفيةِ سلسلة العملياتِ الانتقاميةِ التي قام بها الجناح العسكري للحركة، ردًّا على اغتيال قائده “المهندس «يحيى عياش» في مَطْلَعِ ذلك العام. فى بداية عهد الملك «عبد الله الثاني» سنة 1999، تم إغلاق المكتب السياسى لحركة حماس فى الأردن. واعتقال قياداتها، وإيداعهم في السجن بسبب مواقفهم السياسية، وتم إبعاد أربعة من قيادات حماس من الأردن إلى قَطَر هم «خالد مشعل، وإبراهيم غوشة، وسامي خاطر، وعزت الرشق».

يمكن تلخيص أسباب ومبررات وجود علاقة مميزة ورسمية ومبكرة لحركة حماس بالنظام الأردني بما يلي:

  1. اعتبار الأردن الحاضنة الأساسية للاجئين الفلسطينيين بعد التهجير عام 1948م حيث يزيد عددهم عن 3 ملايين لاجئ فلسطيني مقيم في الأردن.
  2. تبعية الضفة الغربية للحكم الأردني من عام 1967-1948 واعتبار الضفة الغربية منذ ذلك الحين جزء من المملكة الأردنية إلى أن أعلن الملك «حسين» عن فك الارتباط عام 1988م.
  3. اعتبار الأردن بوابة فلسطينيي الضفة الغربية إلى العالم عبر معبر الكرامة «جسر اللبني».
  4. قوة الإخوان المسلمين على الساحة السياسية الأردنية وانخراطهم في العمل البرلماني وعلاقتهم الطيبة مع الملك حسين.
  5. النخبة القيادية المؤسسة للعمل الحركي الحمساوي في الخارج جلها كان متواجدًا في الأردن.

وبعد احتلال العراق للكويت ووقوف الأردن إلى جانبه، أصبح الملك حسين بحاجة لأوراق تسمح له بالمناورة السياسية، فلجأ إلى فتح مكتب إعلامي لحماس واستضافة مكتبها السياسي، وهذا ما ساهم في تعزيز موقف الأردن في مؤتمر مدريد، ومن بعده عند توقيع اتفاق وادي عربة. ومن أبرز أسباب تراجع العلاقة بشكل تدريجي مع الأردن:

  1. موافقة الأردن على المشاركة في مؤتمر مدريد عام 1991 ومن ثم العملية السلمية.
  2. توقيع اتفاقية «وادي عربة» عام 1994التي عارضتها جماعة الإخوان المسلمين في الأردن.
  3. مشاركة الأردن في مؤتمر شرم الشيخ عام 1996 الذي ركز على محاربة حماس تحت مسمى «محاربة الإرهاب»، وقد نص على تجفيف منابع الحركة في الداخل والخارج.
  4. وفاة الملك حسين وتولي نجله عبد الله الثاني الحكم عام 1999، والذي بدوره أعلن القطيعة مع حماس وطرد مكتبها السياسي خارج الأردن، رغم أنهم يحملون الجنسية الأردنية.
  5. رفض تعاون الأردن مع حكومة حماس (الحكومة العاشرة), واختلاق أزمة الأسلحة لحركة حماس عام 2006 التي جاءت عشية زيارة الدكتور «محمود الزهار» بصفته وزيرًا للخارجية الفلسطينية.

ورغم كل ذلك فإن علاقة الأردن بحماس لا زالت تتأثر بمنظومة المتغيرات الإقليمية، ومدى تأثير وتأثر حركة حماس بها, فخلال تولي الإخوان المسلمين الحكم في مصر (30يونيو 2012- 3يوليو 2013)، والانفتاح على تركيا وزعزعة الاستقرار في سوريا انعكست العلاقة بالإيجاب مع حركة حماس، حتى كادت تعيد فتح مكتب لها في الأردن كثمرة لزيارة رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشغل برفقة ولي العهد القطري الشيخ «تميم» في 29 يناير 2012م, ولكن الإعداد للانقلاب العسكري في مصر وتغير الموازين أوقف كل تقارب أردني حمساوي. ولا يمكن استبعاد دور السلطة الفلسطينية وحركة فتح في التأليب والتحريض على حركة حماس، ورفض أي تقارب بينها وبين الأردن؛ إلاّ أن بناء علاقات مستقبلية مع الأردن يبقى قائمًا خاصة في ظل تكرار الحديث عن الوطن البديل للفلسطينيين في الأردن، وعدم إبداء السلطة الفلسطينية الاعتراض صراحة على ذلك، في الوقت الذي تبدي حماس وجماعة الاخوان المسلمين رفضًا واضحًا له. كما أن حلم الأردن القديم بميناء على ساحل البحر المتوسط لم يتبخر بعد. مع عدم تجاهل أن تراجع قوة جماعة الإخوان المسلمين وحزبها السياسي في الأردن، بل انشقاقاتها المتكررة؛ لن يكون في صالح تحسن قريب في العلاقة بين حماس والأردن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حركة حماس
عرض التعليقات
تحميل المزيد