لا شيء يدعونا لنصدق أن الانتخابات المزمع عقدها في «غزة» ستُلغى أو تُؤجل، كما يؤمّل البعض نفسه، كل المجريات على الأرض تؤكد أن السلطة الوطنية الفلسطينية «حركة فتح» ماضية نحو هذه الانتخابات، وعلى عجل. لقد أحكمت هذه المرة شباكها، إنها على وشك انتزاع ورقة مهمة ومهمة جدًّا من بين يدي حماس، لطالما حاولت وحاولت خلال عشر سنين ولم تنجح.

ربما يبدو للوهلة الأولى أن صراع فتح الداخلي حول إتمام هذه العملية الخطيرة ـخلف خطوط العدوـ أو التصارع الحميم بين أقطابها على «كعكة التنظيم»، قد يفسد خطتها المحكمة، لكنها كالعادة تنجح في تطويع المختلفين داخلها أو إخراجهم من المشهد، لتتفرع للمهمة الكبرى، فتراوغ وتمكر وتتجهز وتضرب، إنها في كل مرة تستطيع إيقاع الخصم في الفخ، لقد حُسمت أخيرًا انتخابات الضفة الغربية، الأجهزة الأمنية قامت بالدور على أكمل وجه، وتساقط مرشحو حماس والمستقلون واحدًا تلو الآخر تحت عواءات التهديد والوعيد، لا صوت يعلو فوق صوت «أم الجماهير».

إنها أولى ثمار الشجرة الخبيثة، الانتخابات في غزة فقط، وحماس التي سارعت بالإعلان عن قوائمها وقعت في ورطة حقيقية، فلا هي قادرة على تغيير الأوضاع هناك في الضفة الغربية، لما يعانيه التنظيم من ضعف جراء تلقيه عدة ضربات موجعة ومتتالية منذ عام 2007 إلى الآن، ولا هي خارج سباق اللعبة في غزة فتحتفظ لنفسها بحق البوح بأنها خارج استفتاء خُلق لنزع ورقة الشرعية من يدها، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال إيقاف هذه العملية؛ فتصبح في مواجهة جديدة مع المجتمع الدولي، وربما مع المواطن الغزي.

أما فتح فبريق عينيها يبدو من بعيد، إن الخطة تسير وفق أحسن أحوالها، لعلها تعي جيدًا أنها بديل جاهز لحماس في غزة، مع انعدام أي بديل آخر، يستحسنه مواطن أرهقه حصار خانق أكل أخضره واليابس، وتجربة حكم مليئة بالثغرات لحماس، أو كما يحلو لمحبي الأخيرة تسميتها «تجربة تم إفشالها».

لكن أخطر ما يبدو في الأفق هو أنّ هذه الانتخابات التي قُيدت كذبًا تحت مسمى «انتخابات بلدية»، هو طرح برنامج «المقاومة» ممثلًا بحماس على ورقة استفتاء محسومة النتائج كما يبدو، ويزداد أوار الخوف كلما قام أنصارها باستدعاء إنجازات المقاومة في هذه المعركة، والمفاضلة بين برنامجي عباس وحماس السياسي، لقد بات الأمر أخطر مما ظنّته حماس، إنها استدراج محكم لانتزاع ورقة الشرعية، واستفتاء معدوم الموضوعية.

فماذا بعد؟!

لم تتم الخطة بعد، فهي ما تزال في أولى مراحلها، وتستطيع حماس بحنكة وقرارات مفاجئة إفسادها، بل والاستفادة منها، لكن كيف ذلك؟!

أولًا: على حماس أن تعترف بأن قاعدتها الشعبية في غزة متآكلة، وأن المواطن في غزة حاله كحال أي مواطن عربي يمتلك رغبة كبيرة بالتغيير مهما كانت نوعية هذا التغيير، الأمر الذي لا يمكّنها من الحصول على نتيجة تستطيع بها تفتيت أواصر هذه اللعبة وحرق مراحلها، هي في أفضل حالاتها قبل عشرة أعوام حصلت على نسبة مقاربة لنسبة فتح في الانتخابات البرلمانية «القوائم النسبية»، فما بالك اليوم وقد أنهك أنصارها الحصار وعدم إحسان إدارته.

ثانيًا: أن تسحب حماس قوائمها أو القوائم المقربة منها من هذه الانتخابات في غزة ـكما حدث بالضفةـ، وتعلن أنها لن تشارك تنظيميًّا فيها، مع الاحتفاظ بحق المشاركة أو المقاطعة لأفرادها وأنصارها، وتبرر خطوتها هذه بإمكانية تجدد الضغوط الدولية والإقليمية في حال فوزها مجددًا كما حدث إبان فوزها بالانتخابات التشريعية، هذه الخطوة يمكنها أن تكسب حماس نقطتين في رصيدها، الأولى تعطيل خطة الخصم، والثانية إلقاء عبء بلديات القطاع في حجر فتح ـالتي ستفوز بها حتمًاـ مما سيضطر السلطة الفلسطينية بالضفة التعامل مع مجالسها الفتحاوية الجديدة والمنتخبة، خلافًا لما انتهجته من رفض التعامل مع أي مجلس بلدي في غزة منذ عام 2007.

ثالثًا: أن تتوقف حماس عن إيهام نفسها أنها ستصبح في يوم ما مقبولة من المجتمع الدولي، طالما تشرع السلاح في وجه إسرائيل، حتى وإن فازت في مائة جولة انتخابية، إن شرعية السلطة الفلسطينية وقبولها دوليًّا، كائنًا من كان على رأسها، منطلق من دورها في حفظ المنطقة من الاضطراب بما يضر بأمن الاحتلال، وسيزول هذا القبول فورًا إن زال سببه.

رابعًا: أن تؤكد حماس ضرورة عقد هذه الانتخابات، وجهوزية وزاراتها بغزة، وأجهزتها الأمنية حماية الناخبين وصناديق الاقتراع، وكفالة حق المواطن في إبداء الرأي بكل حرية -كما يحدث الآن تمامًا-، وأن تحرص على إقفال أي باب يمكن أن تستغله فتح للتهرب من هذا الاستحقاق فيما استطاعت حماس ضرب خطتها.

خامسًا: أما في حال -لو لا قدر الله- قررت حماس أن تخوض هذه المعركة، فعليها أن تعلن بقوة أنّ هذه الانتخابات هي انتخابات خدماتية، ولا علاقة لها بالبرامج السياسية، وكل ما يتم فيها من تصويت هو على أشخاص وبرامج خدماتية فقط، ولا علاقة للمقاومة وبرنامجها وإنجازاتها وعناصرها بذلك، وأن تضبط بشكل حديدي تغريدات وتصريحات أبنائها وأنصارها، وأنها لا تسمح لنفسها أن توافق على طرح برنامج المقاومة على الاستفتاء العام.

أخيرًا، إنها فتح كما عرفناها تعود مجددًا فتمارس نفس الخطيئة التي فعلتها قبل أكثر من عشرة أعوام، يوم أن قررت الضغط على حماس بعد فوزها بالانتخابات البرلمانية، فتركتها وحيدة في مواجهة المجتمع الدولي، بل وصل بها الأمر لتكون جزءًا من حلقات هذه السلسلة في كثير من الأحيان، ليصبح الوطن هو أكبر الخاسرين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد